نقل رفات القديس يوحنا الذهبي الفم، الأحد الثالث عشر من لوقا (27 كانون الثاني)

أرشيف

حديث الأسبوع

الرسالة: عب 7: 26-2:8

يا إِخوةُ إِنَّا يُلائِمنا رئيسُ كهنةٍ مثلُ هذا بارٌّ بلا شرٍّ ولا دنَسٍ مُتَنزّهٌ عنِ الخَطأَةِ قد صارَ أعلى من السماوات لا حاجةَ لهُ أَن يُقرِّبَ كلَّ يومٍ مثلَ رؤَساء الكهنَةِ ذبائحَ عن خطاياهُ أولاً ثم عن خطايا الشعب. لأنَّهُ قضى هذا مرَّةً واحدةً حينَ قرَّبَ نفسَهُ فَإِنَّ الناموسَ يُقيمُ أُناساً بِهمِ الضُّعفُ رؤَساء كهنةٍ، أمَّا كلِمَةُ القسَمِ التي بعدَ النّاموسِ فتُقيمُ الاِبنَ مكمَّلاً إلى الأبد. ورأسُ الكلام هو أنَّ لنا رئيسَ كهنةٍ مثلَ هذا قد جلسَ عن يمينِ عرشِ الجلالِ في السماوات وهُوَ خادِمُ الأَقداسِ والمسكِنِ الحقيقيِّ الذي نَصَبهُ الربُّ لا إنسانٌ.

الإنجيل: لو35:18-43

في ذلك الزمان فيما يسوع بالقرب من أريحا كان أعمى جالساً على الطريق يستعطي* فلمَّا سمع الجمعَ مجتازاً سأل ما هذا* فأخبر بانَّ يسوعَ الناصريَّ عابرٌ* فصرخ قائلاً يا يسوع ابنَ داودَ ارحمني* فزجرهُ المتقدمون ليسكتَ فازداد صراخاَ يا ابنَ داود ارحمني* فوقف يسوع وأمر أن يُقدَّمَ اليهَ* فلمَّا قرُب سألهُ ماذا تُريد أن اصنعَ لك* فقال يا ربُّ أنْ أبصر* فقال لهُ يسوع أبصر* إيمانك قد خلَّصك* وفي الحال أبصرَ وتبعهُ وهو يمجّد الله* وجميع الشعب اذ رأوا سبّحوا الله*

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله واحد، آمين.
بحسب إنجيل اليوم، نحن الآن في أريحا، إحدى مدن فلسطين. وهنالك يسوع كان داخل إليها والحشود مجتمعة لكي تستقبله وتصغي مستمعةً إليه. وفيما كان هو مجتاز من هناك، إذا بشخص ينادي ويصرخ "يا يسوع إرحمني." كان هذا الإنسان أعمى. ازداد صراخه، والناس الذين ينظرون إلى يسوع تغافلوا عنه، لا بل أرادوا أن يسكتوه. طلبوا منه أن يصمت. إنهم يريدون يسوع، ولم يعلموا بأن يسوع هو هذا الإنسان الذي يطلب منادياً لله بشخص المسيح من أجل أن يحقق لهم ما هو بحاجةٍ إليه. أليس كل واحد من الحشود بحاجةٍ لأمر ما من يسوع؟ نحن الآن، بحاجة لكي ينادي كل واحد منا ليسوع ليصغي إليه يسوع، ليلبي له طلب ندائه؟ أليست حياتنا كلها قائمة على هذا التجاوب بيننا وبين يسوع؟ لماذا الواحد منا أناني يريد أن يُسكت الآخر ليتكلم هو فقط؟ لماذا هذه الآنا بهذا المقدار تريد ألا يبقى أحد إلا تلك الأنا. 
هذا كلام يدل على كل واحد من الحشود التي كانت تُسكت هذا الإنسان بدلاً من أن تقرِّبه أكثر فأكثر إلى يسوع، بدلاً من أن تسعفه قبلما يسعفه يسوع. هذه الحالة متكررة في كل يوم بصورٍ وأشكالٍ مختلفةٍ ومتعددة. يسوع حاضرٌ دائماً ونحن نتطلع إلى يسوع باستمرار. حضور يسوع حقيقي ولكن ليست كل تطلعاتنا نحن حقيقية. في كثير من الأحيان نحمل تطلعاً زائفاً، ليس فيه روح، ليس فيه إنسانية، ليس فيه حبّ ومحبّة، ليس فيه إلا غطرسة للذات من أجل ألا يكون هنالك شيء صالح إلاّ ما هو مفيد لي أنا شخصياً. 
أمام هذا المشهد الذي هو من جهة الأعمى، نجد فيه أنه كان قدوة لنا. لم يكن يرى في الوجود إلا يسوع. أسكتوه ولكنه بقي يصرخ وينادي "يا يسوع إرحمني". هكذا علينا ألا يسكتنا أحد، ألا نلتفت إلى صوت الناس. اليوم كافة الناس يتغنون بكلمات واحدة "هيك بدو المجتمع، ما بقدر بعمل لأنو الناس هيك بدا، وين الله لقول هيك بدو الله، وهيك بدي أعمل، لأن الله هيك بريد." هذا الأعمى لم يكن يصغي لما يريد الناس. الناس يريدون أن يُسكتوا الإنسان الذي يريد أن يقابل الله. إما إذا كان الله قابع في قلب الإنسان، بقلب كل واحد منا، فإنه سوف لن يسمع إلا ذاك الذي ينادي ويقول "اقرع، فأنا أفتح لك، أنا أسمعك، تابع قولك، تابع الصوت الذي تنادي به. هذا هو الحق. والدليل على ذلك أن يسوع أوقف كلامه وكان يتكلم بالإلهيات. أوقف أهم ما يجب أن يقوله يسوع أمام إنسان ينادي مستسعفاً لكي يصل إلى أن يتحقق له كلمة من ذاك الذي هو الله. ويسوع أيضاً ليس فقط أنه أوقف كلامه البشاري، بل أوقف كلام هذا الحشد الذي يصرخ بوجه الأعمى ويسكته. بل سمع فقط صوت ذاك الذي هو بحاجة للعزة الإلهية. صوت ذاك الذي ينادي "يا يسوع".
علينا في كل يوم ومئات من المرات أن ننادي صارخين "يا يسوع إرحمنا". هذه هي الصلاة العظمى التي هي أقوى من كل صلاة نصليها باستثناء القداس الإلهي الذي به نأخذ الجسد والدم الإلهيين. قال له "ماذا تريد؟" فأجابه "أن أبصر". كلمة واحدة أرادها ذاك الذي يصرخ وينادي، كلمة واحدة قالها أنه بحاجة لكي يرى. ربما نحن بحاجة لأمور أخرى، فلننادي يسوع، وكل منا بحاجة لعشرات من الطلبات والأمور فهو سيسألنا "ماذا تريد،" إن كان الصوت من القلب خارج، فإن الجواب يأتي من الله بذاته ليقول لنا "ماذا تريد يا إبني؟". ذاك قال "أريد أن أبصر" ونحن كل منا عليه أن يقول ماذا عنده ليقول ليسوع أريد كذا وأريد كذلك. يسوع اختصر الحوار وقال له "ابصر" انتهت القصة. عندما يكون الطلب حقيقي، عندما يشعر أحدنا بأنه يوجه الكلام لشخص المسيح، وليس هنالك لا صيغ أدبية ولا بروتوكول ولا أي معاني أخرى، هناك الله والإنسان: "أريد أن أبصر"، فأبصر. 
بهذه الصورة انتهى ذلك اللقاء الفريد من نوعه؛ وفرادته أنها قابلة لأن تتجدد مع كل واحد منا في كل يوم. في كل يوم هنالك موعد بين كل واحد منا للقاء أيضاً فريد من نوعه مع يسوع. إن كنا نصلي، إن كنا نعمل، إن كنا نسير، إن كنا مع آخرين، إن كنا لوحدنا، يجب ألا يغيب حضور المسيح. المشهد اليوم مفيد لنا بحيث ندرك بأن هذا لم ينتظر أن يجد الفرصة ليلتقي بيسوع؛ الفرصة آتية في كل حين. على هذه الصورة تابع يسوع من ثم كلامه وقال له "ستخلص". هذه أعظم كلمة يقولها الله لنا، لأن هدف حياتنا على الأرض وفي دنيانا هو أن نسعى لكي ننال الخلاص، لكي نخلص. والخلاص آت من الله فأعطاه يسوع فقط لهذا الإنسان الخلاص وليس للجموع الباقية، لأن كل واحد ينال الخلاص بمفرده بحسب معطيات قلبه؛ القلب النظيف ينال كلام نظيف، والقلب الغير نظيف لا يصل إلى مسمع الله ولا بأي حال من الأحوال. 
الروعة هنا بختام النص الإنجيلي، لا شك أن الحشد ليس كله ذلك الصوت الذي أسكت الأعمى، إنما هنالك أناس وأرجو أن نكون نحن هؤلاء الناس، أرجو أن يكون لنا نصيب أن نشعر كما شعر البعض، سبحوا الله ومجدوه، شعروا بأن هناك عمل إلهي جرى أمامهم أي أنهم رؤوا حقيقة الله بشخص يسوع المسيح، فسبحوا الله على ما جرى. 
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً.