الأحد الخامس من الصوم - أحد القديسة مريم المصرية (2 نيسان)

أرشيف

حديث الأسبوع

الرسالة: عب11:9-14

يا إِخوةُ إنَّ المسيحَ إذ قد جاءَ رئيسَ كهنةٍ للخيراتِ المستقبَلَةِ فَبِمَسكِنٍ أعظَمَ وأكمَلَ غيرِ مصنوعٍ بأَيدٍ أي ليسَ مِن هذِهِ الخليقة وليسَ بدمِ تُيُوسٍ وعُجُولٍ بل بدمِ نفسِهِ دخلَ الأَقداسَ مرَّةً واحدة فوجدَ فداءً أبدياً لأنَّهُ إن كانَ دمُ ثيرانٍ وتُيوسٍ ورَمادُ عِجلةٍ يُرَشٌّ على المنجَّسِينَ فيقدِّسُهم لتطهيرِ الجسد فكم بالأَحرَى دمُ المسيحِ الذي بالروحِ الأزلِيِّ قرَّبَ نفسَهُ للهِ بلا عيبٍ يطهِّرُ ضمائرَكُم منَ الأعمالِ الميّتَةِ لتَعبُدوا الله الحيَّ.

الإنجيل: مر10: 32-45

في ذلك الزمان أخذ يسوعُ تلاميذَهُ الاثني عَشَرَ وابتدَأَ يقول لهم ما سيعرِضُ لهُ هوذا نحن صاعدون إلى أورشليمَ وابنَ البشر سيُسلَم إلى رؤَساءِ الكهنة والكتبة فيحكمون عليهِ بالموت ويُسلِمونَهُ إلى الأُمم فيهزأُون بهِ ويبصقون عليهِ ويجلدونهُ ويقتُلونهُ وفي اليوم الثالث يقوم فدنا إليهِ يعقوبُ ويوحنَّا ابنا زبَدَى قائلَيْنِ يا معلّم نُريد أن تصنعَ لنا مهما طلبنا فقال لهما ماذا تريدان أَنْ أصنعَ لكما قالا لهُ أعطِنا أَن يجلِسَ أحَدَنا عن يمينك والآخَرُ عن يسارك في مجدك فقالا لهما يسوعُ إِنَّكما لا تعلمان ما تطلبان. أَتستطيعان أن تشرَبا الكأسَ التي أشرَبُها أنا وأن تَصْطَبِغا بالصِبْغَةِ التي اصطبغ بها أنا فقالا لهُ نستطيع. فقال لهما يسوع أمَّا الكأسُ التي أشربُها فتشربانِها وبالصِبْغَةِ التي أصطبغ بها فتصطَبِغانِ، وأمَّا جلوسُكما عن يميني وعن يساري فليس لي أَنْ أُعطِيَهُ إلَّا للذين أُعِدَّ لهم فلمَّا سمع العَشْرَةُ ابتدأُوا يغضَبون على يعقوبَ ويوحنَّا فدعاهم يسوع وقال لهم قد علِمتُم أَنَّ الذين يُحسَبونَ رُؤَساءَ الأُممِ يسودونَهم، وعُظَماءَهم يتسلَّطون عليهمِ وأمَّا أنتم فلا يكونُ فيكم هكذا ولكن مَن أراد أَنْ يكونَ فيكم كبيراً فليكُنْ لكم خادماً ومَن أراد أَنْ يكُونَ فيكم أوَّلَ فليكنْ للجميع عبداً فإنَّ ابنَ البشر لم يأْتِ ليُخدَم بل ليَخدِمَ وليبذُلَ نفسَهُ فداءً عن كثيرين.

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
لقد وصلنا إلى الأحد الخامس من الصوم وهو الأحد الأخير من صومنا الأربعيني. يتبعه أسبوع مرتبط به ثم يأتي أسبوع الآلام بدءاً بالشعانين. ذاك شيءٌ آخر، صومٌ آخر، محاسبةٌ للنفس أخرى. أما اليوم فننهي صومنا كأحدٍ بموضوع التوبة مع أمّنا مريم المصرية.
 يا لعظمة كنيستنا إنها تهيء لنا المناسبات الصالحة من أجل امتداد حياتنا الروحية من أجل أن نجتاز كل مناسبة نحياها بصورةٍ صحيحةٍ وحسنة. هذا الأحد علينا أن نكون متهيئين لنصير شفافين لندخل بتلك الأنفس الجديدة إلى أسبوع الآلام لكي نتهيأ به لاستقبال يسوع القائم من القبر والذي بقيامته سنقوم نحن أيضاً في يومٍ لاحقٍ.
 من هي هذه مريم المصرية التي أُعِدّ لها هذا الأحد لنقتدي بها. يصيبنا الخزي والعار عندما نعرف بأن مريم مع بداية حياتها. تركت بيت أهلها في ريف مصر وذهبت إلى الإسكندرية بلد الضجيج والصخب لتحيا حياة الفجور، حياة المتعة غير المباركة، واستمرت حياتها سنوات طويلة هناك. وفي أحد السنين وكان عيدٌ للصليب رأت الناس يذهبون عن طريق البحر إلى فلسطين ليحجّوا من أجل أن يتباركوا بالصليب المقدس المبارك. فذهبت معهم لا محبةً بالقداسة والتقديس ولا اهتماماً بالصليب وإنما لتتابع حياتها القائمة على الفجور في مكانٍ آخر. 
 وصلت إلى أورشليم والناس يدخلون إلى الكنيسة بتقى وورع. وأرادت هي بشيءٍ من التمرد العاكس أن تدخل الكنيسة مثلهم ولكن لم تستطع. شيءٌ ما أوقفها عن الدخول، سمّرها وتراجعت إلى الوراء وعند باب الكنيسة رأت أيقونة للسيدة العذراء فنظرت إليها وهنا حصل انقلابٌ حقيقيٌّ شعرت أن السيدة العذراء تكلِّمها وتطلب منها أن تتخلّى عن النمط الحياتي التي تحياها لتدخل بإيمان وتقى وورع. ابتهج قلبها وسعت ثانيةً بالدخول فدخلت. وعند خروجها من الكنيسة تأملت بحياتها، وهنا بيت القصيد كلنا مدعوون لنتأمل في حياتنا، كلنا مدعوون عندما ننظر إلى أيقونة ما أن نحاسب أنفسنا من خلالها حتى نحرك روح الأيقونة لتكلمنا. كلنا مدعوون من أجل شيءٍ جديدٍ يريده الله لنا.
 وهكذا عادت هذه من الكنيسة وهي إنسانة جديدة فرغبت بأن تحيا حياة تطهير، حياةً يتمّ من خلالها أن يكون هناك كفّارٌ في حياتها. فشعرت بدعوةٍ داخليةٍ من قلبها خاصةً عندما وصلت إلى فلسطين فأُلهمت بأن تجتاز نهر الأردن لتصل إلى الضفة الثانية وهنالك يوجد أعدادٌ كبيرة من القلالي أو الأديرة. وخاصةً في مقدمة كل أولئك المقدسات كانت كنيسة يوحنا المعمدان ودخلتها واعترفت واشترت ثلاث أرغفة خبز وتوغلت في الصحراء. استمر توغلها أسبوعاً لحين انتهاء الخبزات فتوغلت من جديد إلى أماكن تشعر بأنها مع المسيح تحيا. وهناك صارت تأكل من عشب البرية ما يكفي استمرار حياتها. بقيت سبعة عشر عاماً وهي تتصارع مع أفكارها لتخرج كلياً مما كانت عليه. فأتت النعمة وتلت صلاتها لربّها وشعرت بالهدوء والسكينة والسلام والأهم أنها شعرت أنها وصلت إلى التوبة الكاملة والحقيقية. فتوغلت من جديد وكانت ليس فقط ثيابها تبلى بل جسدها صار مصاباً بالضعف الشديد بالكاد أن يشعر أحدٌ أن هنالك لحمٌ على عظمٍ بل هناك خيالٌ يتحرك، وبقيت على هذه الصورة 30 عاماً ربما كانت تقابل بعض الرهبان من القاطنين في تلك الأماكن ولكن في سنةٍ وهي السابعة والأربعين لإقامتها في البرية وكان زمن الصوم حيث يترك الرهبان أديرتهم ويذهبون إلى الصحراء ويحيون كنساكٍ. وأحد هؤلاء الرهبان كاهنٌ اسمه زوسيماس رآها وحاول أن يحدثها من بعيدٍ وهو غير مدرك بأنها فتاة حيث ظن بأنها شابٌ، فصارت تركض إلى أن وصل بالقرب منها فناداها فسمعت صوته وعرفت أنها لم تعد تستطع الهروب أكثر، فقالت له أنا امرأة وأعطيني ثوبك لأني بلا ثياب. رمى الثوب على الأرض فأتت وأخذته وهو أبعد بقليل من ذلك ووصل إليها وحدّثته بكلِّ ماضيها معترفةً بكل حياتها السابقة وبالنمط الجديد لحياتها اللاحقة. مجّد الله بها وعرف أنه لم يصلوا هو وباقي الرهبان ما وصلت هي إليه من التوبة التي قدستها، وشعر بأنه يحدّث قديسة فطلب البركة منها وكانت ذات عمرٍ كبيرٍ يناهز حوالي الـ 77 عاماً، فقالت له أنا أريد البركة منك يا أبتي. وبهذه الصورة عُرف وعُلِم خبرها الذي كان مجهولاً من قبل الجميع فطلبت منه أن يأتي في العام التالي ليلة العشاء السري ليناولها. أتى وناولها فعلاً وأراد أن يأتي مرةً أخرى فأتى وقرأ على التراب محفوراً بأنها ماتت بعد المناولة وأنها بحاجةٍ إلى دفن جسدها فدفنها.
عاد وخبّر في الدير وباقي الأديار عن هذه القديسة التي توفيت في الأول من نيسان.
 شيءٌ هامٌّ جداً أن يُكرس الإنسان نفسه لله بحقٍّ وإن كان في بيته أو في عمله، بأن يكون نادماً وتائباً ومتقشفاً كمثل ما كانت هذه.
 نحن كلنا نحمل خطايا كثيرة ومتنوعة وليس الزنا وحده هو الخطيئة، الكبرياء أعظم من الزنا خطأً، ومن منّا لا يكون متكبراً في بعض المناسبات. هنالك خطايا كثيرة يجب أن نتحرر منها ونتوب عنها. في يومٍ من الأيام سنقابل ربّنا وهناك ستكون المحاكمة التي بها ندخل إلى عالم الملكوت أو نبقى في دنيا الجحيم.
 استعدادنا لاستقبال الأسبوع العظيم المقدس يملي علينا ألاّ نكون فاترين أو جامدين بل متحركين حقيقةً بملء ما يعطيه الله لنا من نعمٍ والنِّعم كثيرة، ونحن بحاجةٍ إليها كلها. المهم أن نعرف كيف نتوب والتوبة هي طريق الملكوت.
 ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.