الأحد الثاني من الصوم - أحد القديس غريغوريوس بالاماس (12 آذار)

أرشيف

حديث الأسبوع

 الرسالة: عب10:1-3:2

أنتَ يا ربُّ في البدءِ أَسَّستَ الأرضَ والسماواتِ هي صُنعُ يدَيْك. وهي تزولُ وأنتَ تبقى وكلُّها تَبلى كالثوبِ. وتَطويها كالرِّداءِ فَتَتَغَيَّرُ وأنتَ أنتَ وسنوكَ لن تَفنى. ولمَن مِنَ الملائِكةِ قالَ قطُّ اُجلِسْ عن يمينيِ حتَّى أَجعَلَ أعداءَك مَوطِئاً لقدمَيْك. أَليسوا جميعُهم أَرواحاً خادِمةً تُرسَلُ للخدمَةِ من أجلِ الذينَ سيَرِثونَ الخلاص. فَلذلكَ يجبُ علينا أن نُصغِيَ إلى ما سمِعناهُ إِصغاءً أَشدَّ لئَـلاَّ يَسرَبَ من أذهانِنا. فَإِنَّها إِن كانَتِ الكَلِمَةُ التي نُطِقَ بها على أَلسِنَةِ ملائِكةٍ قد ثَبَتَت وكلُّ تعدٍّ ومعصيَةٍ نالَ جزاءً عدلاً. فكيفَ نُفلِتُ نحنُ إِن أَهملنا خَلاصاً عَظِيماً كهذا قد ابتدأَ النُّطقُ بهِ على لِسانِ الربِّ ثمَّ ثبَّتَهُ لنا الذينَ سَمِعوهُ. 

الإنجيل: مر1:2-12

في ذلك الزمان دخل يسوع كَفَرَناحومَ وسُمع أَنَّهُ في بيتٍ. فللوقت اجتمع كثيرون حتَّى إِنَّهُ لم يعُدْ موضعٌ ولا ما حولَ الباب يَسَعُ، وكان يخاطبهم بالكلمة. فأَتوا إليه بمخلَّعٍ يحمِلهُ أربعةٌ. وإذ لم يقدروا أَنْ يقتربوا إليهِ لسبب الجمع كشفوا السقفَ حيث كان. وبعد ما نَقَبوهُ دلَّوا السريرَ الذي كان المخلَّع مضطجعاً عليهِ. فلمَّا رأَى يسوع إيمانَهم قال للمخلَّعِ يا بُنيَّ مغفورةٌ لك خطاياك. وكان قومٌ مِنَ الكتبةِ جالسين هناك يفكّرون في قلوبِهِمْ ما بالُ هذا يتكلَّم هكذا بالتجديف. مَن يقدِر أن يغفِرَ الخطايا إلاَّ الله وَحْدَهُ. فللوقت علم يسوع بروحهِ إنَّهم يفكِّرون هكذا في أنفسِهم فقال لهم لماذا تفكِّرون بهذا في قلوبكم. ما الأَيسرُ أَنْ يُقالَ مغفورةٌ لك خطاياك أم أَنْ يُقالَ قُمْ واحمِل سريرَك وامشِ. ولكنْ لكي تعلَموا إنَّ ابنَ البشر لهُ سلطانٌ على الأرض أن يغفِر الخطايا (قال للمخلَّع) لك أقول قُمْ واحمِلْ سريرَك واذهبْ إلى بيتك. فقام للوقت وحمل سريرَهُ وخرج أمام الجميع حتَّى دَهِـشَ كلُّهم ومجَّدوا الله قائلين: ما رأَينا مثلَ هذا قطُّ.

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
لا زلنا نسير مع بدايات الصوم الأربعيني المقدس. هذا الصوم الذي يزيدنا شفافيةً ويعمق المحبة التي نحملها في قلوبنا تجاه بعضنا البعض. الصوم وسيلةٌ لينتقل الإنسان من حياةٍ فيها ظلمةٌ إلى حياة فيها نور. الصوم مبعثٌ لنا لنتقرب أكثر وأكثر من إلهنا المحب البشر.
 خلال مسيرة هذا الصوم وصلنا إلى الأحد الثاني الذي قرأنا خلاله إنجيل المخلع الذي شفاه يسوع. لنتأمل بهذا الإنجيل ولنعرف يا ترى لماذا وُضِع من قبل آبائنا القديسين هذا الإنجيل في هذا الأحد. آُتي بهذا المخلع بصعوبة لكثرة الناس ولما رآه يسوع نظر إلى حاملي هذا الإنسان المريض فكشف سرّ إيمانه وإيمان حامليه. حينئذٍ وبمسرةٍ تطلع إلى المخلع وقال: "مغفورةٌ لك خطاياك". كلامٌ غريبٌ. المخلع ينتظر أن يُشفى فأتى إلى يسوع ليعيد إليه الصحة الجسدية وإذا بيسوع يعالجه ويشفيه من أمراضه الروحية "مغفورةٌ لك خطاياك". من جهة أن القول هذا أتى بعد إيمان الجماعة. يسوع يريد مننا كلنا أن نكون متعاونين لأجل قضايانا ومتطلباتنا. أن نحمل الإيمان، هذا الإيمان الذي به تتحول قسوة الحياة إلى مرونة ونعومة من مرضٍ إلى شفاء من خطيئةٍ إلى حياةٍ صالحة كل هذا يأتي بفعل الإيمان ولكن ليس الإيمان السطحي بل الإيمان الذي يجب أن يكون بعمقٍ في داخل كل واحد منا، أن يستطيع به تلمس يسوع المسيح، أن يستطيع به - بهذا الإيمان - أن يُكلِّم العزة الإلهية ويطلب منها ما يشاء. بالإيمان ننال متطلباتنا. بعض من الناس الواقفين أمام ذلك الحدث تذمروا، بأيِّ حقٍّ يغفر هذا خطايا ذاك؟ الله وحده الذي يغفر الخطايا. وهذا ما قالوه ونحن نقوله معهم بأنه فعلاً الله وحده الذي يغفر الخطايا ولكن لا نقول هذه الكلمة بتذمر إنما نقولها بحسن أدبٍ وبشعورٍ ممتلئ بالإيمان بأن هذا الذي يغفر الخطايا، هو بذات الوقت ابن الله أي الله بذاته من حيث الجوهر.
 الناس دائماً يريدون أن يروا المحسوسات. حينئذٍ يسوع تطلع إلى هذا المريض وقال له: "قم" التي تعني نوال الشفاء. لأن "قم" كلمة قيامية تعني الشفاء "قمْ انهض" لقد حصلت على النعمة بفضل الإيمان في أن تُغفر لك خطاياك فتستحق إذاً أن تكون معافى، "واحمل سريك وامشِ". عندما حمل السرير علم الجميع بأن غفران الخطايا قد تحقق فعلاً بواسطة هذا الإنسان. البرهان هو شفاء المريض والمهم هو غفران الخطايا نحن أحياناً بضعفٍ منا نظن أن الشفاء هو الأهم. الشفاء يفيدنا من أجل أن نحيا به بصحةٍ جيدة لسنين طويلة، أما غفران الخطايا فلنحيا في الأبدية والخلود مع الله في عمرٍ لا نهاية له. غفران الخطايا هو المهم والأهم. غفران الخطايا يجب أن يكون شغلنا الشاغل بأن نطلب دائماً من أبينا السماوي أن يغفر لنا خطايانا بأن نتجنب الخطيئة ونفعل ما يرضي الله.
 في هذا الإنجيل نشعر أننا نتقوى في مسيرة صومنا لكي يكون الصوم الروحي هو الأساس الذي يُسيّرنا نحو النهاية والنهاية هي القيامة.
 ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.