الأحد الرابع من الصوم (أحد القديس يوحنا السلمي) (18 أذار)

أرشيف

حديث الأسبوع

الرسالة: عب 13:6-20

يا إِخوةُ إِنَّ اللهَ لمَّا وعدَ إبراهيمَ إِذلم يُمكِنْ أَن يقُسِمَ بما هو أَعظَـمُ منهُ أَقسمَ بنفسِهِ. قائِلاً لأُبارِكنَّكَ بَرَكةً وأُكَثِرنَّكَ تكثيراً. وذاكَ إذ تأَنَّى نالَ الموعِد. وإِنَّما الناسُ يُقسِمونَ بما هُوَ أَعظَمُ منهم وتنقضِي كلُّ مشاجَرَةٍ بينَـهم بالقَسَـمِ للتثبيت. فلذلِكَ لَّما شاءَ الله أن يَزيدَ وَرَثة الـموعِد بياناً لعَدَمِ تحوُّلِ عزمهِ توسَّط بالقَسَم. حتى نَحصُلَ بأَمرَيْنِ لا يتحوَّلان ولا يُمكِنُ أَن يُخلِفَ الله فيهما على تعزيةٍ قَويَّةٍ نحـنُ الذينَ التجأْنا إلى التمسُّك بالرجاءِ الـموضوعِ أمامنا. الذي هـوَ لنا كَمِرسـاةٍ للنـفسِ أَمينةٍ راسِخَةٍ تدخلُ إلى داخلِ الحجاب. حيثُ دخَـلَ يسـوعُ كسابِقٍ لنا وقد صارَ على رِتبَةِ ملك يصادق رئيـسَ كهنةٍ إلى الأَبد.

الإنجيل: مر16:9-31

في ذلكَ الـزمانِ دنا إلى يسوعَ إنسانٌ وسجد لهُ قائلاً: يا معـلّم قد أَتيتُـك بابني بهِ روحٌ أَبكـم. وحيثُما أخذَهُ يصرعهُ فيُزبِد ويصرِف بأَسنـانهِ ويَيْبـس. وقد سأَلـتُ تلاميذَك أن يُخرِجـوهُ فلم يقدروا. فأجابهُ قائلاً أيُّها الجيـلُ الغيرُ الـمـؤمـنِ إلى متى أكـون عنـدكم حتَّى متى أَحتمِلَكم هلمَّ بهِ إليَّ. فأَتَوهُ بهِ. فلمَّا رآهُ للوقت صرَعَهُ الـروحُ فسقـط على الأرض يَتَمرَّغ ويُزبِد. فسأَل أباهُ منـذ كم من الزمان أصابهُ هذا. فقال منـذ صباهُ، وكثيرًا ما أَلقاهُ في النار وفي الـمياه ليُهلِكَهُ. لكنْ إِنِ استطعتَ شيئـًا فتحنَّن علينا وأَغِثْنا. فقال لهُ يسوع إِنِ استطعـتَ أَنْ تؤمِنَ فكلُّ شيءٍ مستَطاعٌ للمؤمن. فصاح أبو الصبيّ مِنْ ساعَتهِ بِدموعٍ وقال إنّي أُؤْمِنْ يا سيّد. فأَغِثْ عدم إيماني. فلمَّا رأَى يسوع أَنَّ الجمعَ يتبادرون إليهِ انتهر الـروحَ النجـس قائلاً لهُ أيُّها الـروحُ الأَبكم الأَصمُّ أنا آمرك أَنِ اخْرُجْ منهُ ولا تعُدْ تدخلُ فيهِ. فصرخ وخَبَطهُ كثيراً وخرج منـهُ فصار كالـميّتِ حتَّى قال كثيرون إِنَّـهُ قد مات. فأخذ يسـوع بيـدهِ وأنهضـهُ فـقـام. ولمَّا دخـل بيتـاً سأَلهُ تلاميذُهُ على انفرادٍ لـماذا لم نستَطِع نحـن أَنْ نُخـرِجَهُ. فقال لهم إِنَّ هذا الجنسَ لا يمكن أَنْ يَخْرُجَ بشيءٍ إلاَّ بالصلاة والصوم. ولـمَّا خرجوا من هناك اجتـازوا في الجليـل ولم يـُرِدْ أَنْ يَدْرِيَ أحدٌ. فإنَّه كان يعلّم تلاميذهُ ويقول لهم إِنَّ ابنَ البشر يُسلَـم إلى أيدي الناس فيقـتلـونَهُ وبعد أَن يُقتَـلَ يقـومُ في اليوم الثالـث.

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. 
إذ قد بلغنا إلى الأحد الرابع من الصوم، ولكل أحد صفة بالإضافة إلى ما يقدمه لنا الإنجيل. هذا الأحد اسمه أحد يوحنا السلمي. هذا السلمي هو راهب في دير سيناء في القرن السابع. كتب كتاباً سمي "السلم" ولقِّب هو بهذا الاسم. عظمة الكتاب أنه طريق حياة للروح يتدرج عبر ثلاثين درجة، بها يرتقي الإنسان من الأرضيات إلى السماويات. لا زال الكتاب إلى اليوم من أهم الكتب المسيحية إطلاقاً. 
صاحبه يوحنا هذا عاش بالنسك حياة التوبة، توبة دائمة، بكونه تخطى كل العقبات. نفسية الإنسان التي تميل إلى الشر، نفسية الإنسان التي ترغب بالكبرياء لتعظيم الذات، نفسية الإنسان التي تريد وترغب بأن تكون هي صاحبة السلطة. وأمور أخرى كثيرة أعطانا يوحنا السلمي أجوبة عنها، من خلال كتابه، الدواء الشافي، لكي نتخلص من كل تلك المعيقات التي دخلت إلينا يوم العصيان بدخول الخطيئة إلى العالم.
أراد أن يقتطف من حياة المسيح ومن تعاليمه طريقاً يساعدنا لكي نصل من خلاله إلى ما يريد المسيح لنا أن نكون. لهذا تغبطه الكنيسة وتعتبره أنه إستطاع بالصوم أن يستنير بالروح ويمجد الإله. نحن نطلب شفاعته في هذا اليوم خاصة، لكي نستلهم من عطاءاته الغزيرة تلك التي تساعدنا للتحرك. 
أما إنجيل اليوم فيحدثنا عن أب قدم إبنه ليسوع بكونه يسقط بالماء والنار، من خلال مرض سكنى الشيطان فيه، سائلاً إياه أن يستغيث به لكي يشفي إبنه. سأله يسوع: إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن؟ فإجاب هذا الإنسان، الذي بالأساس التجأ إلى يسوع، وقال كلمته الشهيرة التي هي مدرسة لنا: أؤمن يا سيد، ولكن أعن ضعف إيماني. أظهر هذا الأب الملوّع الإيمان الذي يتحلى به بجوابه هذا، كما وأيضاً أظهر الضعف الذي يحمله والذي هو ضعف يحمله بكون كل إنسان منا هو ضعيف. وعليه أن يستعين بيسوع لكي ينال القوة منه. بيسوع نحن نخافظ على إيماننا، بيسوع نحن ننال كافة طلباتنا، إذا كنا لا نعتمد على أنفسنا، بل على النعمة المسكوبة من الله فينا. حينئذ أعجب يسوع بكلامه وشفى إبنه وأعاده إلى الصحة والعافية، أعاده بسبب إيمان أبيه. هذا لون من ألوان الشفاعة. نحن نصلي بعضنا لبعض، والله يساعدنا بيسوع المسيح لكي يقدم العون لهذا الذي نصلي إليه. إنها شفاعة الأب لإبنه. ويسوع ينظر إلى قلوب المصلين، ومن خلال نقاوة تلك القلوب يعطي حكمه. 
لهذا علينا أن لا نحافظ كثيراً على العزة النفسية، إنما على العزة الإلهية، أن نقتنيها، أن نصير إياها، أن يكون الواحد منا متخطياً لذاته بالروح القدس المنسكب إليه ليصل إلى حالة أبعد مما هو عليه. نحن محدودون وبالله نصير منطلقين بلا حدود،بحدود الله التي لا تقف عند حدـ إنما هي بالمطلق. 
على هذه الصورة نشعر اليوم بأن الدعوة إلينا لنتابع صيامنا بتلك التوبة التي هي بدون المحبة لا شيء، كما يقول أيضاً يوحنا السلمي. علينا أن نتوب بحب وأن لا نكره وأن لا نبغض وأن لا نعامل الآخر إلا بمعطيات المسيح الذي فينا. 
ونعمته فلتكن معنا الآن ودائماً، آمين.