كلمة غبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى والجزيل الاحترام

كلمة البطريرك يوحنا العاشر
في قمة البطاركة
دمشق، 8 حزيران 2015

أصحاب القداسة والغبطة،
المسيح قام، حقاً قام.
لعل الكلمة تعجز عن التعبير في كثير من المواقف فتختبئ وراء المشهد، وما أحلاه مشهداً وشاهداً لقاءُ الإخوة معاً. وما أصدقها رسالةً لشعبنا وللمشرق والعالم أجمع أن يجتمع بطاركة أنطاكية في هذا الظرف في سوريا وفي دمشق تحديداً. أردناه لقاء في دمشق لنطلق من هنا نداء المريمية. لنطلق في الوقت نفسه نداء سلام ورسالة مصارحة ووقفة تاريخ أمام ما يجري وما يتسارع من أحداث. أهلاً وسهلاً بكم أصحاب الغبطة والقداسة وأهلاً بالإخوة ممثلي الطوائف المسيحية. أهلاً بالجميع في دار مريم العذراء في دمشق، في المريمية. أهلاً بكم إخوة أعزاء في رحاب أنطاكية الشاهدة للمسيح شهادةً واحدةً. نطل اليوم بمعية الإنسان المحارب بلقمة عيشه، والذي يدفع من حياته فواتير الإرهاب والتكفير والخطف الأعمى والحصار الخانق وفقدان الأحبة وتدمير أوابد العيش المشترك. نطل لنقول كفى دماراً ووأداً للبشرية وللحضارة البشرية في موطنها. نطل لنقول إن قدس أقداسنا هو الإنسان. وقلب المسيح وقلب المسيحية هو قلب الإنسان الذي تكتنفه ظلمة ومحن هذا العالم والذي ومن عتمة ظلمته يلمس رب النور.
أصحاب الغبطة والقداسة،
أخاطب من هنا ضمير العالم وكواليس ومنابر الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية والحكومات وأقول يكفينا هزاً لسيادة الأوطان في مشرقنا. أخاطب البشرية بكرامة كنيسة أنطاكية المجروحة لخطف مطارنتها، مطارنة حلب يوحنا ابراهيم وبولس يازجي وتهجير مسيحييها في أكثر من بقعة وتحميلهم الجزية، أخاطبها بأوابد التاريخ المشرقية، وأوابد التاريخ هذه ليست أوابد آثار فحسب بل هي أوابدُ وحاضرُ قيم. أخاطبها بأرواح شهداء سوريا الموجوعة باستهداف جيشها وناسها وأوابدها وبحرقة لبنان واللبنانيين الذين ينتظرون عسكرهم المخطوف ورئاستهم المعلقة وبالعراق المستنزف ومصر وليبيا واليمن الذين يئنون تحت نار الاضطرابات أخاطبها بجراح فلسطين التي لم تندمل منذ أكثر من ستين عاماً. أخاطبها لا بداعي الخوف مما يحدث بل بداعي الوجل أمام هذه اللاكتراثية تجاه إنسان هذا المشرق من أي صنف كان. المسيحية وغيرها من أصوات الاعتدال، ومن الأقليات والأكثريات، تدفع ضريبة غالية من التهجير والإرهاب والتكفير. لكن ورغم ذلك، نحن واضعون نصب أعيننا، أننا أقوياء بالحق وبنور الرب وبقوة الإرادة الحق بالرسوخ بالأرض والدفاع عنها مهما عتا وجه الزمن. وقوة الإرادة هذه هي التي أوصلت لنا إيمان وأمانة أجدادنا منذ ألفي عام.
نحن كمسيحيين أنطاكيين حملنا الشهادة للمسيح في حياتنا وحملناها محبةً لكل الناس. نحن مدعوون أن نكون دوماً، كما كنا ونبقى، خميراً راسخاً متجذراً في هذا الشرق. وخميرنا خمير محبة ولقيا مع الجار والأخ المسلم. خميرنا خمير أوطان يذوب فيها الدين كعامل فرقة ويسمو فيها لبنةَ محبةٍ ومدماك تلاقٍ على اختلاف الملل والمذاهب. خميرنا أيضاً هو خمير الوحدة المسيحية التي ابتدأنا مشوارها من يوم سمعنا مقولة الرب: "ليكونوا واحداً كما نحن واحد" (يو17: 11) وما اجتماعنا الحاضر إلى دليلٌ على عملنا الدؤوب من أجلها. نحن نؤمن أن الوحدة المسيحية هي خيار وجود وخصوصاً لنا نحن مسيحيي الشرق الأوسط. نصلي ونعمل أن تجد هذه الوحدة كمالها. وهذا اللقاء ما هو إلا لبنةٌ في مسيرةٍ بدأت وستبقى. وخمير مسيرة الوحدة هذه هو المحبة المسيحية التي قال مار بولس عنها : "لن تسقط أبداً" (1 كور 13: 8).
ولأبنائنا في هذا الشرق، أسمح لنفسي باسمكم جميعاً، أن أبعث سلام قيامة وسلام رجاء. نحن لا نهاب وجه تاريخ. وإذا ما كتبت لنا الأقدار أن نكون أمام سؤال مصيري: أنبقى أم نرحل؟ فإن جوابنا: إننا باقون والشدة إلى زوال عاجلاً أم آجلاً. نقول هذا رغم تفهمنا لكل ما دفع ويدفع كثيراً من أبنائنا للهجرة. نقوله رغم قساوة وبؤس الأيام الحاضرة. نقول ونكرر إن الوطن هوية والأرض بالنسبة لنا هي هوية. فكيف بها إذا كانت أرض المسيح وأرض تلاميذه! نحن نقدر الضيق الحاصل هنا وفي كل مكان. هذي الأرض صبغت قبل ألفي عام أتباع يسوع بلقب "مسيحيين"، وهي إلى اليوم تصبغ المسيحية بألق المشرق وألق صدق الشهادة ليسوع المسيح. فلنقرأ التاريخ جيداً ولنتعلم أن أمانة الإيمان التي تشربها الرسل من فم الرب وأورثوها لأجدادنا لم تأتنا على أكف الراحات. وأن الشدة الحاصلة هنا وفي أي مكان هي الكفيلة بأن تظهر معدن الناس. ونحن أناسٌ لقبنا مسيحيين في هذي الأرض. ومن كان معدنه المسيح فهو المغير وجه التاريخ رغم كل قساوته.
صلاتنا من هذا المكان المقدس، من هذه الدار البطريركية، من الكنيسة المريمية في دمشق، من جارة الأموي أن يكلل الله لقاءنا بنوره ويرسل السلام لهذا المشرق ولعالمه ولكنيسته، آمين.