مَن يشربُ مِنَ الماءِ الذي أنا أُعطيهِ لهُ فلَنْ يعطَشَ إلى الأبد. بلِ الماءُ الذي أُعطيهِ لهُ يصيرُ فيهِ ينبوعَ ماءٍ ينبُعُ إلى حياةٍ أبدَّية (يو14:4)

 

سيرة القديس

طروبارية

قنداق

القديسان الشهيدان ثيوتيمي وباتريكيوس الأسقف (19 أيار)      

سنكسار القديس ديمتري دونسكول أمير موسكو الأكبر

(+1389 م)

 

هو ابن يوحنا، الأمير الأكبر لفلاديمير وموسكو. ولد سنة 1350م ونشأ على التقى، فكان يمضي أوقاتاً طويلة في الصلاة وزيارة الأماكن المقدسة. وقد تعلم من القديس ألكسيوس، متروبوليت موسكو، كيف يتمم واجباته كأمير وفق الإنجيل وكيف يلتمس مجد الله في كل أمر. وكان القديس ألكسيوس قد تعين وصياً عليه إثر وفاة والد ديمتري في العام 1359 إلى أن حان ميعاد استلامه سدة المسؤولية.

النير التتاري، في ذلك الزمان، كان قد أضنى الروسيا وجعلها في حال يرثى لها. كل شيء فيها كان يرسم إعادة الإعمار، لاسيما في المستوى الخلقي والروحي. هذه المهمة الشاقة بالذات شاءتها العناية الإلهية أن تكون من نصيب الأمير ديمتري، أن يجدد المملكة والكنيسة، فيما تولى القديس سرجيوس رادونيج وتلاميذه التجديد الروحي مقدمين الحياة الرهبانية نموذجاً  للكمال المسيحي.

أول ما شرع ديمتري في السعي إلى إنجازه كان توحيد مختلف الإمارات الروسية وضمان استقلال الكنيسة. فبعدما قوي على أمير سوزدال وخلفائه (1360م)، كان عليه، بالإضافة إلى صعوبات البيت، أن يواجه أعداء الخارج، من التتار والليتوانيين، وكذا خصومات أمراء ريازان وتفير. وقد أخضعهم في العام 1375م لكنه لم يستفد من هذا الانتصار لينهب أو يحتل مدنهم. فإن هدف سياسته كان تكوين دولة متحدة، تخضع فيها الإمارات من ذاتها للأمير الأكبر في موسكو.

كان ديمتري يزور بانتظام دير القديس سرجيوس، كما أسس العديد من الأديرة وجعل عليها تلاميذ القديس سرجيوس رؤساء.

في ذلك الزمان، أخذ النير التتاري في الروسيا يتراخى بفعل الصعوبات الداخلية التي اندلعت في عاصمة التتار (Horde dOr ) هذه الحال بعثت الآمال في نفوس الشعوب المقهورة. ولكن كان ينقصهم روح التماسك والتنظيم. هذه المهمة بالذات هي التي أخذها ديمتري على عاتقه ابتداء من العام 1370م.

ثم إنه في العام 1378، اجتاح جيش تتاري كبير إمارة ريازان. وجهة الحملة كانت موسكو. فقام ديمتري وجيشه وصدوا الهجوم وحققوا انتصاراً أولاً. وفي العام 1380م دخل الخان الروسيا بعدما جمع جيشاً من كل توابعه قوامه ما يدنو من الأربعمائة ألف رجل. أدرك ديمتري أن الساعة قد دنت، تلك التي أعدته لها العناية الإلهية منذ الصبى، فحصد ثمار سياسة التوحيد الصابرة التي انتهجها في علاقته بالإمارات الروسية. وقد تمكن من جمع جيش قوي في نواحي موسكو. كلمة السر كانت: "الله ملجأنا وقوتنا!".

بعد عيد رقاد السيدة العذراء توجه ديمتري إلى دير الثالوث القدوس فأعطاه القديس سرجيوس بركته ليخوض المعركة وتنبأ له بالنصرة.

تحرك الجيش الروسي فبلغ ليلة ميلاد والدة الإله سهل كوليكوفو. كانت ساعة المعركة قد آنت. توجه ديمتري إلى رجاله بهذا القول: "إخواني الأعزاء، لنحارب من أجل الله، من أجل الكنائس المقدسة، من أجل الإيمان المسيحي. إذا كان لنا أن نموت فلن يكون موتنا موتاً بل حياة أبدية. لا تفكروا في أي شيء أرضي، يا إخوتي، لا نغادرن المعركة فيتوجنا بالنصرة المسيح الإله مخلص نفوسنا".

أول من اندفع إلى الأمام في أرض المعركة كان راهباً مبتدئاً من دير القديس سرجيوس. وهو كان أول من سقط قتيلاً. كانت المعركة رهيبة، أعظم المعارك التي عرفتها الأرض الروسية في التاريخ. لم يمت الرجال نتيجة التحام الفريقين وحسب، ولكن مسحوقين أيضاً بحشود الجنود الذين اندفعوا إلى السهل الضيق. في تلك الأثناء كان القديس سرجيوس يعاين بالروح سير المعركة ويعطي أسماء الضحايا لتقام الخدمة الجنائزية على نيتهم. أخيراً تمكن الجيش الروسي من تحقيق انتصار كاسح شكل المرحلة المصيرية في التحرر من النير التتاري وإبلاد الدولة الروسية. وقد أضحت معركة كوليكوفو رمز اليقظة الروحية والوطنية للشعب الروسي وانتصار نور المسيح على ظلمة الوثنية.

على أن ديمتري، إثر عودته إلى موسكو، بعدما شفي من جراحه، لم يعرف السلام. فإن جيشاً تتارياً، سنة 1382م، خرب موسكو وأجبر ديمتري على الهرب إلى كوستروما. ولكن رغم الأضرار التي أصابت المدينة لم يتمكن التتار من الاحتفاظ بمواقعهم، فاستمرت حركة التحرير دون أن يتسنى للأمير أن يتمتع بنتائجها. فإنه، بعدما أضنته الأمراَض، نقل سلطاته إلى ابنه البكر باسيليوس. وبعدما اقتبل القدسات من يد القديس سرجيوس، أسلم الروح، في التاسع عشر من شهر أيار من العام 1389م. عمره يومذاك كان أربعين سنة. وقد أعلنت الكنيسة الروسية قداسته خلال العام 1988م.

سنكسار القديس الشهيد باتريكيوس البيثيني

(القرن2/3م)

هويَّتُهُ:

هو الأسقف باتريكيوس، أسقف بروسا، التي في بيثينيا، بروسا، هذه، اشتهرت بحمَّاماتها الساخنة الطبيعية.

خبرُ استشهاده:

في زمن الأسقف باتريكيوس كان على بيثينيا والٍ يُدعى يوليوس، هذا، لماَّ نزل في المياه الساخنة الطبيعية، شعر بالقوة، فأراد أن يُضحي لإله الصحة أسكلابيوس، خاصةً وأنهُ شعر بالامتنان تجاهه. فأتى بالأسقف باتريكيوس وطلب منهُ أن يُقدِّم السجود والعبادة لأسكلابيوس بعد أن نعت مسيحية باتريكيوس بالخرافة والتجديف.

رفض أسقف العلي ما طُلب منهُ ووبخ يوليوس على طلبه، وأردف قائلاً: أنا لا أحتقر آلهتك لأنه لا يمكن للمرء أن يحتقر ما هو غير موجود، بل أرغب في إقناعك أن يسوع المسيح قادر على حفظ حياتي، إذا أردت أن تلقيني في مياه حارة كما تقول، بنفس السهولة التي هو قادر فيها على انتزاعها منّي، وأنَّ ما يخصني أو ما يقع عليَّ معروف لديه هو وحده بالتمام والكمال حيث أنه حاضر في كل مكان. فإنه لا يسقط على الأرض لا عصفور ولا شعرة من رؤوسنا إلاَّ بإرادته الصالحة ورضاه، هذا ما أرجو أن ينظر إليه الجميع باعتباره الحق عينه وأن ثمَّة عقاباً أبدياً في الجحيم ينتظر كل الذين، على مثالك،يعبدون الأوثان".

أثارت هذه الكلمات غيظ الوالي لدرجة أنه أمر، للحال، بنزع ملابس الأسقف القدّيس وأن يُلقىَ في المياه المحرقة. للحال صلىَّ قديس الله قائلاً: "أيَّها الرّب يسوع المسيح أعِنْ عبدك". فلمَّا سقط في الماء حفظته النعمة الإلهية من حرارة المياه، وتتطاير رزاز ماء وأحرق الحراس الذين ألقوه في الماء. فلما لاحظ الوالي ما حدث أمر بإخراجه وقطع رأسه. فأُخرج فصلىَّ واستودع روحه بين يديّ ربّه ومدَّ عنقه للسيّاف فقطعه. فسقط شهيداً حيَّاً للكلمة الإلهية.

سنكسار القدّيسون الشهداء الأبرار الثلاثة عشر القبارصة

(القرن 13م)

يقتصر ذكر هؤلاء الشهداء الثلاثة عشر على قبرص. وفي خبرهم أن ناسكين قدما من جبل آثوس، حوالي العام 1228م، إلى قبرص. اسم الواحد يوحنا واسم الآخر قونن. قبرص، يومذاك، كانت تحت الاحتلال اللاتيني. ففي العام 1191 م احتلّ ريكاردوس قلب الأسد قبرص. وكان قد سبقه أحد المغامرين رينو دي شاتيّيون الذي كان فظّاً، لاسيما في تعامله مع الإكليروس الأرثوذكسي. ثم أن إكليروس الفرنجة عمدوا إلى تخفيض عدد الأساقفة الأرثوذكسيّين من أربعة عشر إلى أربعة وجعلوهم تابعين للأساقفة اللاتين. هؤلاء بنوا العديد من الكنائس وحاولوا بكل الوسائل المتاحة صرف الشعب عن إيمانه وتراثه. هذا الاحتلال اللاتيني استمرّ حتى العام 1571م.

وبالعودة إلى يوحنا وقونن الناسكين نقول إنهما، في ذلك الحين، نزلا في ديري ماخيرا والذهبي الفم، ثم في دير والدة الإله المعزول، في القنطرة. وما لبثت أخبار فضائلهما وفضائل الذين التحقوا بهما أن انتشرت بين الناس الذين أخذوا يتدفّقون عليهم تدفّقهم على نبع ماء حيّ قادر أن ينشّط فيهم إيمانهم المهدّد.

فلما تناهى خبر ما يحدث لرئيس أساقفة ليكوسيا (نيقوسيا) اللاتيني، المدعو أوستورغيوس، خشي على مخطّطه بشأن تحويل الشعب إلى الكثلكة. فأوفد رسولين إلى الدير لإخضاع الرهبان القدّيسين. حاول الرسولان إقناع الرهبان باعتماد الخبز الفطير في القدّاس الإلهي فلم ينجحا. عدد الرهبان كان ثلاثة عشر وهم، بالإضافة إلى يوحنا الرئيس وقونن، برنابا وجنّاديوس وجيراسيموس وجرمانوس وثيوكتيستوس وإرميا ويوسف ومرقص وكيرللس وثيوغنوسطوس ومكسيموس. هؤلاء امضوا الليل في الصلاة، وفي صباح اليوم التالي، بعد عودة المرسلَين، توجّها إلى ليكوسيا، في الطريق كان الشعب يحتشد لأخذ بركتهم.

ما إن علم اوستورغيوس بوصول الآباء حتى استدعاهم. ويبدو أن حواراً لاهوتياً جرى أفحم فيه يوحنا وقونن وبقيّة الآباء الرهبان الجانب اللاتيني ودحضوا الحجج التي عرضها استناداً إلى شواهد أتوا بها من تراث الآباء القدّيسين. انتاب رئيس الأساقفة الخوف ولم يدر بما يجيب. لكنه أمر بجلدهم ورميهم في السجن.

وعلى مدى ثلاث سنوات كابد الآباء، بثبات وثقة بالله، الاعتقال في حبس مظلم، رطب، تفوح منه الروائح الكريهة، لا يُعطى لهم فيه إلا قليل خبز، وهم معرّضون لمهانة الجلادين باستمرار والتعذيب المتواتر. كل هذا لم يزحزحهم عن الأمانة لأرثوذكسيتهم ولا رضخوا لمقترحات مرسلي رئيس الأساقفة.مَثَل الآباء أمام رئيس الأساقفة، مرّة أخرى، فأجابوا بجسارة متنامية. إذ ذاك أسلمهم إلى الجلادين.

ثيوغنوسطوس كان أول مَن نال إكليل الشهادة وقد أُلقي جسده في النار.

في السنة الثالثة (1231 م) وقف بقيّة الآباء، مجدّداً، أمام مساعد أورستورغيوس، وهو أندراوس المفتِّش Inquisiteur، الذي زُوّد بالتعليمات أن يعمد إلى التخلّص من المتمرّدين. جواب الرهبان القدّيسين له كان أنهم فخورون بالاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي الذي أذاعه الآباء وكرز به الرسل وحدّده الآباء القدّيسون والمجامع المقدّسة، حتى لو أدّى بهم ذلك إلى الموت.

بعد ثلاثة أيام دُعُوا مرّة أخرى في حضور أريك الأول، ملك قبرص اللاتيني (1218 – 1254 م). هذا كلّف أندراوس المفتّش بمعاقبتهم كما يرى مناسباً. فأوثق الجلادون أرجل القدّيسين إلى اثني عشر حصاناً أطلقوهم عدّواً غبر شوارع المدينة ليبثّوا الرعب في نفوس المسيحيّين الأرثوذكسيين.

أخيراً حُلّت الأجساد المحتضرة من أربطتها وأُلقيت في محرقة أُشعلت لهذا الغرض. وفيماو قف يوحنا في الصلاة وسط ألسنة النيران ضربه أحدهم على رأسه بهراوة فهوى وأطفأ النار. فقام الجلادون بإزكاء النار من جديد وأخذوا يطرحون فيها أجساد القدّيسين بصورة عشوائية مع عظام الحيوانات. وبعدما استحال الكل رماداً عمدوا إلى بعثرته لكي لا يبقى للآباء القدّيسين أثر.

وقد ورد أن أندراوس المفتّش صار، بعد حين، أسقفاً على أفيلا في أسبانيا، وأنه هلك حيّاً في النار فيما كان يغطّ في النوم بقرب المدفأة.

سنكسار القدّيس البار كورنيليوس كوميل الروسي

(+1537م)

ولد  كورنيليوس في كنف عائلة من العائلات الثرية المعروفة في روستوف. كان يرتبط بالأمير الأكبر الموسكوفي بصلة القربى.

انضمّ إلى القصر في سن الثالثة عشرة. التصق بعم له. فلما قرّر هذا الأخير أن يهجر العالم ويعتزل في دير القدّيس كيرللس عند البحيرة البيضاء، خرج هو معه.

بقي  كورنيليوس مبتدئاً ست سنوات يعمل بغيرة في المخبز ويأخذ على عاتقه، طوعاً، عمل إخوة آخرين أقلّ غيرة منه. كذلك كان يحمل على جسده سلاسل ثقيلة ويشغل أوقات فراغه بنسخ المخطوطات.

فلما صُيّر راهباً باشر رحلة إلى الأديرة الأكثر شهرة في الروسيا. قصده كان أن يعمّق معرفته بالحياة النسكية وأن يلتقي رجالات الله. بقي، لبعض الوقت، في منسك بقرب نوفغورود، لكنه ما لبث أن ولّى الأدبار بعدما اقترح عليه القدّيس جناديوس، رئيس الأساقفة، أن يسميه كاهناً.

هام على وجهه إلى أن أتى إلى غابة كانت لا تزال شبه عذراء، في كوميل، ناحية تفير. هناك استقرّ في كوخ مهجور خلّفه لصوص ودخل في حرب لا هوادة فيها مع استبداد البدن والطبيعة. بالإضافة إلى العقبات المعيشية التي واجهها، لأن المكان كان برّياً قاحلاً، فإنه كان عليه أن يتصدّى للتجارب العنيفة الملحاحة للأبالسة وكذا لهجمات اللصوص. ذات يوم بعدما سرقوا كتبه، وهي جلّ ما كان عنده ضلوا الطريق وتاهوا الليل بطوله في الغابة. فإذا بهم، في صبيحة اليوم التالي، أمام قلاية القدّيس. فأعادوا إليه المسروق وطلبوا السماح. هذا وقد اقتبل كورنيليوس، أخيراً، نعمة الكهنوت، عنوة، فسامه سمعان، متروبوليت موسكو. بعد ذلك أقام في حضرة الله وحيداً معتزلاً عشرين سنة.

فلما بلغ الستين من العمر بدأ بقبول التلاميذ. الكنيسة والقلالي المتواضعة التي بناها، أول أمره، للقادمين الجدد، ما لبثت أن استبانت غير كافية. نمت الشركة بسرعة وشرع الرهبان في بناء دير واسع ضمّ كنيسة ثانية باسم القدّيس أنطونيوس الكبير وسائر الأبنية اللازمة لسير حياة الشركة التي أراد كورنيليوس أن ينظّمها، بأمانة كاملة، وفق روح الآباء القديسين. لهذه الغاية وضع، كتابة، تيبيكوناً كاملاً ما لبث أن صار نموذجاً للمؤسسات العديدة التي أنشأها تلاميذه. في هذا التيبيكون زاوج القديس  كورنيليوس قواعد القدّيس نيلوس سورسكي بقواعد القدّيس يوسف فولوكولافسك بشكل جيّد التوقيع. أكدّ، بصورة خاصة، الفقر الإنجيلي على نحو صارم، فكان محظراً، بشكل قاطع، أن يقول أحد عن شيء ما إنه له. وعندما رغب الأمير باسيليوس الثاني في تقديم غابات وأراض للدير، لم يقبل القدّيس منها سوى ما كان في طاقة الشركة أن تعمله لحاجاتها ليكون للإخوة أن يأكلوا خبزهم بعرق جبينهم. كذلك كان على الجميع أن يحفظوا الطاعة، التي هي مبدأ النظام والسلام، في كل تفاصيل الحياة اليومية. وذات يوم أعدّ الخبّاز الخبز دون أن يسأل الرئيس البركة، كما هو محدّد في التيبيكون، فما كان من  كورنيليوس سوى أن أمر بإلقاء الخبز على الطريق.

كان الدير، على مثال ملكوت الله، ملاذاً لكل الممتحنين. فكان فيه ملجأ يستضيف الحجّاج والمتسولين. وعندما ضربت المجاعة فولودغا تهافت الجيّاع إلى المكان. استقبلهم كورنيليوس بمحبّة ووزّع عليهم المؤن بنفسه. حتى الذين أخذوا أكثر من مرّة لم يردّهم. كذلك احتضن قدّيس الله كأب الأولاد الذين تركهم أهلهم عند بابه بعدما استبدّ بهم اليأس لحالهم.

ذات يوم تململ بعض الرهبان واتهموا الشيخ بالإسراف، فظهر له القدّيس أنطونيوس في رؤيا وملأ معطفه خبزاً وقرابين لكي يشجّعه على الثبات في هذه الفضيلة. إذ ذاك أخذه الفرح فأمر تلاميذه، والدموع في عينيه، أن يداوموا على صنع الإحسان بعد موته. وإذ كان كورنيليوس مدركاً أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله، فإنه كان ضنيناً أيضاً بالإحسان الروحي: يعطي هذا كلمة عزاء وذاك بركة. كان، بكل بشاشة وصبر، يبارك ويعزّي ويحسن ويتحدث إلى كل الذين يلتجئون إليه.

ورغم صبر القدّيس ووداعته حيال المعاندين، فإن الصرامة التي التزمها في شان تطبيق مبادئ الرهبانية أثارت حقد بعض الرهبان الذين حكموا عليه بأنه قاس فوق الطاقة. وفي يوم من الأيام، عزم اثنان منهم على التخلص منه فاختبأا تحت الجسر الذي كان على كورنيليوس أن يعبره. لكنهم، على ثلاث دفعات، رأوه وجمع عديد يواكبه. والأمر المحيّر كان أن الجمع كان يتوارى حالما يعبر القدّيس عن مرماهم. انتاب الراهبين الهلع إزاء هذه الآية فذهبوا إلى القدّيس وارتموا عند قدميه فسامحهم وأطلقهم بمحبّة.

من جهة أخرى استهدفت  كورنيليوس إشاعات مغرضة بثّها قوم حاسدون. عليهم الحسد حتى شكوا رجل الله لدى الحاكم. أما هو فبقي ثابتاً كالماس في الضرّاء بشكر الله على هذه المحن التي أهّله لها. وإذ تعب من هذه المناهضات، جمع رهبانه، يوماً، وأناب عنه من عرفه آهلاً لحمل المسؤولية. أما هو فذهب إلى غابة كوستروما، على بعد سبعين كيلومتراً من كومل سعياً وراء الهيزيخيا (الهدوء) والصلاة النقيّة. ولكن ما لبث رهبانه أن طلبوا منه العودة وألا يتركهم يتامى. لكنه أصمّ أذنيه عنهم سنين قبل أن يرضخ بعدما تدخّل الأمير باسيليوس الثالث.

هكذا عاد رجل الله إلى الشركة راعياً. وقد أعطى بتصرّفه مثالاً طيّباً، فكان، رغم تقدّمه في السن، مثال العمل في أشغال الحقل واستصلاح الغابات التي أوقفها الأمير للدير.

ولكن، من جديد، عاد الرهبان إلى التذّمر. جاء واحد مرّة يشكو فقر ثيابه، فلم يتفوّه رجل الله بكلمة فقام وأعطاه ثوبه ولبس ثوب الشاكي. مقاومات كهذه لروح الحياة الرسولية من قِبل بعض الرهبان حملت رجل الله على مغادرة كومل من جديد عائداً إلى دير القدّيس كيرللس حيث باشر رهبانيته أولاً. ولكن بفضل، الدير هناك، نجح رهبان القدّيس كورنيلوس في إقناعه بالعودة إلى ديره مرّة أخرى. شرطه الأوحد كان أن يُسمّى رئيس آخر يأخذ مكانه، القدّيس لافرانديوس المعيّد له في 16 أيار.

في عودة رجل الله إلى كومل أقام في قلاية انصرف فيها إلى الصلاة والصمت، لكنه عاد إلى قلايته الأولى بعد غزوة التتار (1536) التي أجبرت الرهبان على الفرار. وإذ لم يشأ الرّب الإله أن يُصيب الدير سوء عاد الرهبان، بعد حين، وعاد كورنيلوس إلى قلايته.

أخيراً، في العام 1537، في الأحد الرابع بعد الفصح، دعا القدّيس رئيس الدير والشركة وحثّهم على سيرة متّفقة وأن يحفظوا قانون الحياة في الدير بأمانة وأن يواظبوا على الصلوات الكنسية ولا يتوانوا عن العناية بالفقراء. ثم طلب أن يُقرأ قانون المديح لوالدة الإله. وبعد أن قام، بنفسه، بتبخير الإيقونات والحاضرين تمدّد وأسلم الروح بسلام عميق حتى لم يلاحظ أحد من الحاضرين أنه فارقهم إلا بعد حين.

طروبارية باللحن الرابع

شهداؤُك يا رب بجهادهم، نالوا منكَ الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهم أحرزوا قوَّتكَ فحطموا المغتصبين، وسحقوا بأسَ الشياطينَ التي لا قوَّة لها. فبتوسلاتهم أيها المسيح الإله خلصْ نفوسنا.

قنداق للقديس باتريكيوس باللحن الثامن

إن الكنيسة قد اتخذت جسدك يا باتريكيوس,كذخيرة شريفة ليسوع, فهي تصرخ نحوك بسرور هاتفة إن العالم بأسره يحفظ بك بسلام تام وبغير ضرر من البدع جميعها, وغير مقهور.

طروبارية القدّيس كورنيليوس كوميل الروسي باللحن الثامن

للبرية غير المثمرة بمجاري دموعكَ أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرت بأتعابك إلى مئة ضعف، فصرت كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار كورنيليوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

طروبارية القديس ديمتري دونسكول أمير موسكو الأكبر باللحن الثامن

للبرية غير المثمرة بمجاري دموعكَ أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرت بأتعابك إلى مئة ضعف، فصرت كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار ديمتري، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.