تُوبوا، فقدِ اقتربَ ملكوتُ السماواتِ (مت17:4).

 

سيرة القديس

طروبارية

قنداق

القديسان الباران يوحنا الكوخي وبولس الصعيدي (15 كانون الثاني)

سنكسار القديس البار يوحنا الكوخي

(القرن 5م)

ولد يوحنا في مدينة القسطنطينية لأبوين من علّية القوم. كان أبوه أفتروبيوس من كبار قادة الجيش وأمه ثيوذوره من السيّدات الكريمات. كما كان له أخ واحد.

‏كان بيت يوحنا تقياً بعامة، لكن مظاهر الترف والرفعة احتفّت به من كل جانب. فحدث، ذات مرة، أن قدم راهب من دير الذين لا ينامون، بقرب المدينة المتملّكة، لزيارة أفتروبيوس وعائلته. البيت كان مفتوحاً لرجال الكنيسة والرهبان. فتعلّق قلب يوحنا بالراهب ورغب في سيرة كسيرته.

‏حدّث الراهب يوحنا عن الحياة الرهبانية وأعطاه قانون صلاة، فعزم ‏يوحنا على الخروج من العالم إلى الدير في وقت مناسب. كان لا بد أن يكون الأمر سراً لأن والدي الشاب لا يمكن أن يرضيا بذلك من ذاتهما.

‏وبانتظار الساعة المرتقبة، شرع يوحنا يتعاطى الصوم والسهر ويقضي أكثر وقته في الكنيسة، كما رغب إلى والديه أن يشتريا له نسخة من العهد الجديد فجاءاه بنسخة جميلة مزخرفة منه. فلما عاد الراهب من سفره، وكان إلى أورشليم، رافقه يوحنا إلى ديره سرّاً. وإذ فطن ذووه إلى غيابه بحثوا عنه في كل مكان فلم يجدوه.

‏وصل يوحنا إلى دير الذين لا ينامون فلاحظه الرئيس صغير السن، طريّ العود، ناعم البدن فتردّد في قبوله. فلما رآه مصرّاً وافق على ضمّه إلى الدير على أساس تجريبي.

‏ثم دلّت الخبرة على أن يوحنا كان أصيلاً في رغبته، مجدّاً في سعيه، يكلِّف نفسه أقسى الجهادات على غير ما يُتوقع من شاب في مثل سنّه خرج لتوّه من مجتمع العزّ والدلال. فلقد تشدّد الشاب في أصوامه على غير هوادة وسلك في التواضع وضبط النفس والطاعة لدرجة أنه أضحى لأقرانه مثالاً يُحتذى.

‏ونزلت بيوحنا تجربة قاسية شاءها الرب الإله تمحيصاً له ولأمانته. فلقد ‏اشتدّت عليه أفكار العودة إلى والديه واستبدّ به الحزن على ما يمكن أن يكون قد حدث لهما. وعبثاً حاول أن يدفع عن نفسه هذه الأفكار بالصوم والصلاة والسجود والركوع والاعتراف. كانت تلحّ عليه وتأبى أن تغادره. بقي على هذه الحال زماناً ذاب خلاله جسمه وهزل عوده، لكن بقيت نفسه قويّة وصمد. فلمّا لم تنحلّ التجربة عنه، عزم على الخروج من الدير. فلما أطلع رئيس ديره على ما في نفسه حاول ثنيه عن عزمه فلم ينجح. وإذ رآه في حال ‏الذبول المتزايد صلّى عليه وتركه يذهب.

‏لم يكن في نيّة المجاهد الشاب أن يستسلم للتجربة بل أن يجعل منها سبباً لجهاد بطولي قلّ نظيره. فلقد بيّنت الأيام أن أمانة يوحنا لربّه كانت كاملة، ‏كما جعلته نعمة الله أصلب من الماس.

فماذا حدث؟

 ‏في الطريق التقى يوحنا شحّاذاً فتبادل وإيّاه الأثواب. وإذ كان التعب قد أضناه وغيّرت ملامحه السنون بدت إمكانية تعرّف أحد عليه مستبعدة.

‏بلغ قصر أبيه فجلس عند الباب الخارجي يستعطي. مرّ والده من أمامه فتحرّكت عاطفته وبكى، لكنه تمالك نفسه وطلب صدقة. وإذ كان أبوه لا يردّ فقيراً أمر بإعطائه طعاماً.

‏لازم يوحنا الباب أياماً يشاهد أباه يدخل ويخرج، ويعاين أمه تخرج إلى الحديقة وتدخل إلى المنزل، فآلمه المشهد أشدّ الألم، لكنه أبى، بنعمة الله، أن يخرج عن صمته.

‏وقليلاً قليلاً اعتاد أبوه رؤيته فألفه. وسأل يوحنا صاحب القصر أن يأذن له ببناء كوخ في زاوية الحديقة يخلد فيه إلى النسك والصلاة فأجابه إلى طلبه.

‏أقام القديس في الكوخ ثلاث سنوات، لا يمرّ عليه يوم إلا يذوق فيه طعم الجحيم. ولكن لا شيء زعزع فيه ثباته الداخلي. هذه كانت جلجلته اقتبلها عن طيب خاطر أمانة لله وشهادة لوجهه. "لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك".

‏أخيراً حان ميعاد إنصافه فأوحي إليه في الحلم أنه في ثلاثة أيام يخرج إلى ربه ففرح بدنو أجله وأخذ يستعدّ بالأكثر لملاقاة وجه ربّه. فلما أتت الساعة طلب أن يرى والدته، فأنكرت عليه طلبه ثم أذعنت. وما أن حضرت حتى دفع إليها بنسخة العهد الجديد التي طالما حفظها بحوزته كل هذه الأيام. فلما وقع نظر أمه عليها ارتبكت وصرخت فأتى زوجها فتحقّق كلاهما منها إنها هي إياها النسخة التي سبق أن اشترياها لابنهما الحبيب يوحنا. فألحا بالسؤال على الناسك الشحّاذ فاعترف ولم ينكر أنه هو إيّاه ابنهما يوحنا. فانطرحا عليه يقبّلانه وهما ينتحبان. كان المشهد صعباً للغاية. أخيراً طلب من أبويه أن يصفحا عنه وسألهما أن يدفناه كراهب صغير، وبعدما ودّعهما أسلم الروح. كان قد بلغ من العمر الثانية والعشرين.

‏وقد ذكر أن كنيسة بنيت في موضع الكوخ وان جملة عجائب جرت فيها بشفاعة رجل الله. كما ورد أن كنيسة بنيت له في رومية في القرن التاسع للميلاد ضمّت رفاته إلا هامته التي بقيت في القسطنطينية إلى أن سقطت في أيدي اللاتين سنة 1204‏م. وتستقر هامة القديس اليوم في كنيسة القديس استفانوس في بزونسون في بورغندي، وعلى الصندوق الذي يضمّها كتابة باليونانية.

سنكسار القديس الشهيد بنسوفيوس الإسكندري ورفقته

(القرن 3م)

عاش بنسوفيوس في الإسكندرية أيام الإمبراطور الروماني داكيوس. تسنّى له بسبب غنى أبيه أن يتثقّف ثقافة عالية. ما أن توفى أبوه حتى وزّع ثروته على الفقراء. اهتم بممارسة الفضائل الإنجيلية واتكل في معيشته على الله. تعاطى الصوم والصلاة إلى أن قبض عليه حاكم الإسكندرية أوغسطيانوس. تعرّض للضرب لكنه دخل في حوار لاهوتي مع مضطهديه. تأثر به عدد من الوثنيين فآمنوا بالمسيح. سُجن ثم أطلق سراحه ثم قُبض عليه من جديد ومن معه وقُتلوا.

سنكسار القديس البار بولس الصعيدي الناسك الأول

(+324م)

 

القديس البار بولس الصعيدي هو أول ناسك شهد له التاريخ. لا بد أن يكون آخرون قد سبقوه إلى الصحراء لكننا لا نعرف عنهم شيئاً. أما بولس فقد شهد له القديس أنطونيوس الكبير وأرخ له القديس أيرونيموس (+420م) نقلاً، كما ذكر، عن تلميذي القديس أنطونيوس، أمانس ومكاريوس. وقد أتى على ذكره كل من القديس أثناسيوس الكبير والقديس يوحنا كاسيانوس والقديس فولجنتيوس وبولينوس النولي وسواهم.

ولد القديس بولس هذا في صعيد مصر أيام الإمبراطور الروماني الكسندروس ساويروس. قرابة العام 228م، كان أبواه غنيين، فثقفاه باللسانين اليوناني والقبطي وربياه تربية مسيحية صالحة لأنهما كانا مسيحيين تقيين.

فقد بولس والديه وهو في سن الخامسة عشرة وكانت له أخت وحيدة تزوجت. فلما ثارت على كنيسة المسيح موجة اضطهاد حركها داكيوس وفاليريانوس، وكانت وطأتها شديدة. لاسيما على مصر والصعيد، اختبأ بولس في بيت وسط الحقول. ولكن بلغه أن صهره عزم على إبلاغ الجنود الرومانيين عنه آملاً في وضع اليد على ميراثه، فقام وهرب إلى مكان أبعد. باحثاً بين الوحوش عما افتقده من سلام بين الناس.

ويبدو ان بولس لم يبتعد كثيراً، أول أمره، ربما لأنه كان يأمل بالعودة القريبة إلى دياره. لكنه وجد نفسه أليف الصحراء فطاب له التوغل فيها. وقد استمر كذلك إلى أن بلغ جبلاً استبان فيه ما يشبه الكهف. فشق طريقه عبر جرائد نخلة كانت على تشابك وكثافة سدا المكان. فإذا به أمام صحن واسع، وبقرب النخلة مياه رقراقة تجري قليلاً ثم تغور في الأرض. وقد بدا أن الموضع سبقت السكنى فيه. أثار بيوت صغيرة كانت في الجوار، وأزاميل وسندانات ومطارق أوحت بأن صناعة ما كانت هناك. بعض الدارسين قال أن قوماً كانوا يصكون فيه عملة مزيفة زمن مرقص أنطونيوس وكليوباترا.

هذه التسهيلات المعيشية البسيطة جعلت بولس ينظر إلى المكان وكأن العناية الإلهية هيأته ليكون له منزلاً. فتخلى عن العالميات وأقام في الكهف بقية أيام حياته. لقد وفر له الموضع الطعام والشراب والمسكن. حتى ثوبه صنعه من جرائد النخل. ما خلا ذلك انصرف بولس بالكلية إلى الصلاة والتسبيح.

لا يعرف أحد كيف عاش ولا التجارب التي تعرض لها. فقط نعرف أن حياته كانت أدنى إلى سيرة الملائكة منها إلى سيرة البشر وأنه بقي كذلك إلى سن الثالثة عشرة بعد المائة حين كشف الله أمره للقديس أنطونيوس الكبير.

كان القديس أنطونيوس الكبير قد بلغ يومذاك التسعين. ويبدو أن فكراً خطر بباله أنه لم يقم أحد قبله في الصحراء سار في الحياة الكاملة نظيره. فجاءه، في رؤى الليل، من قال له أن في فكره وهماً لأن ثمة في الصحراء من هو خير منه وأعرف وأن عليه أن يسرع الخطى إليه. فلما انبلج الفجر، قام فأخذ عصاه وسار غير عابئ بثقل الأيام عليه والنسك. همه كان أن يتبع الصوت الإلهي إلى حيث يهديه. فلما كان الظهر احتدت الشمس، وأنطونيوس مجد في سعيه، فالتقى وحشاً نصفه إنسان ونصفه حصان، فحسبه شيطاناً. وإذ رسم على نفسه إشارة الصليب سأله باسم الله أن يدله على مكان خادم الله فأخرج الوحش أصواتاً غير مفهومة. ثم رفع ذراعيه كما ليشير إلى الموضع وولى الأدبار. أي نوع من الحيوانات كان هذا الوحش؟ في ظن القديس إيرونيموس، أنه طيف شيطان جاء يرهب القديس أو أحد الحيوانات الجائلة في أفريقيا، خصوصاً في صعيد مصر. بليني الصغير أكد أنه عاين بأم العين في رومية حيواناً محنطاً من هذا النوع.

أنى يكن الأمر، فقد تابع القديس أنطونيوس سيره. فالتقى من جديد، في واد محجر، وحشاً شكله ما بين الإنسان والماعز يدعونه "ستير" أكد القديس أيرونيموس نقل واحد من نوعه من الإسكندرية إلى أنطاكية مملحاً بعد موته ليكون منظراً لقسطنطين الملك.

تبع القديس أنطونيوس أثر خطى الحيوانات يومين كاملين. أخيراً بلغ جبلاً رأى ذئبة تنحدر عليه مضنكة من العطش، ثم تتوارى في موضع ثم تبتعد. اقترب القديس من المكان فإذا به أمام كهف القديس بولس. تطلع إلى داخل الكهف فبدا له مظلماً، فتلمس طريقه تلمساً فعاين نوراً ضئيلاً يلتمع من بعيد فتيقن أن هذا هو مسكن الرجل الذي أعلن له الله عنه.

أسرع أنطونيوس الخطى جدلاً فاصطدمت رجلاه ببعض الحجارة فترددت في المكان أصوات منكرة، فلما فطن لها بولس من الداخل قام فأقفل الباب. كانت هذه أول مرة اخترق فيها أحد هدوءه منذ أن وصل إلى المكان. وإذ رأى القديس أنطونيوس أن الباب قد رد في وجهه، ارتمى أرضاً، عند العتبة، ورجا بولس ألا يحرمه من التعزية التي جاء يلتمسها من بعيد بمشقة كبيرة. مؤكداً أنه لن يغادر الموضع البتة قبل أن يحظى ببركة القديس أو يموت عند الباب. فما كان من بولس سوى أن فتح له وطالعه بابتسامة رقيقة. وإذ تعانقا سمى كل منهما الآخر باسمه.

ثم رفع الاثنان صلاة الشكر إلى الرب الإله وجلسا يتحدثان، قال بولس: "ها إن الذي بحثت عنه مضنى بأتعاب جزيلة وقد أعيته الشيخوخة وغطاه الشيب. هوذا الإنسان الذي أشرف على النهاية وهو مستعد لأن يستحيل رماداً. ولكن، لأن المحبة تحتمل كل شيء، قل لي، رجاء، كيف حال العالم؟ هل هناك مبان جديدة؟ من هو الذي يسود اليوم؟ أما زال هناك قوم عميان لدرجة أنهم يعبدون الشياطين؟ فأجاب أنطونيوس على كل أسئلته. وفيما هما يتبادلان الحديث إذا بغراب يأتيهما برغيف خبز ويلقيه أمامهما، فشكر الرجلان الله على عظم رحمته. قال بولس: "أترى كم صالح هو الله الذي يعطينا طعامنا في حينه؟ لقد صار لي في هذا الموضع ستون سنة والله يرسل إلي نصف خبزة كل يوم. واليوم، وقد أتيتني زائراً، ضاعف الحصة لأنه يهتم بالذين يخدمونه.

ثم قام الاثنان للأكل، فبعدما صليا انتظرا كل منهما الآخر أن يكسر له الخبز ويعطيه. بولس احتراماً لحق أنطونيوس كضيف عليه وأنطونيوس توقيراً لشيبة بطرس. فلما أصر الاثنان على نحو طفولي بديع اتفقا على أن يمسكا الرغيف معاً ويكسراه، كلاً من ناحيته.

أمضى الرجلان ليلهما في الصلاة. في اليوم التالي، رغبا في متابعة الكلام، فقال بولس لأنطونيوس: "من زمان، يا أخي، وأنا عارف بإقامتك في هذه البرية. من زمان كشف لي الله أنك تبذل نفسك في خدمته. ها إن ساعتي الأخيرة قد دنت، ولطالما اشتاقت نفسي إلى الاتحاد بالرب يسوع فإنه لم يبق لي سوى أن أتلقى من يده إكليل البر. وقد أرسلك المعلم الإلهي لتدفن جسدي، أو بكلام أوفق، لترد التراب إلى التراب".

فلما سمع أنطونيوس بولس يتكلم على قرب مفارقته أجهش في البكاء ورجاه ألا يتركه وحيداً أو أن يسأل الله في أن يتبعه. فأجاب بولس: "ليس لك أن ترغب بما فيه خيرك، في الوقت الحاضر. لاشك أنه سرور لك أن تنعتق من ثقل هذا الجسد المائت، لكن إخوتك بحاجة إلى مثالك. لذلك أسألك، إن كنت لا أثقل عليك كثيراً، أن تذهب وتأتيني بالرداء الذي سبق فأعطاك إياه أثناسيوس الأسقف لتلتقي به وتدفنني". طلب منه بولس ذلك لا لأنه كان يهتم كثيراً بأمر دفنه، ملفوفاً في رداء أو غير ملفوف. بل لأنه شاء أن يبعد أنطونيوس عنه بضعة أيام ليوفر عليه ألم معاينته يموت، علاوة على أنه كان راغباً في إعلان أنه يموت على شركة والقديس أثناسيوس، المدافع الصلب عن الإيمان الأرثوذكسي في وجه الهرطقة الآريوسية.

دهش أنطونيوس لنعمة الله الساكنة في هذا الشيخ الجليل وأكبر من كشف له أمر الرداء. وبعدما ذرف الدمع وقبل عيني الشيخ ويديه عاد إلى ديره.

سار أنطونيوس في طريق العودة بهمة. الشوق إلى بولس جدد كالنسر شبابه. فلما بلغ ديره فرح به تلاميذه. وبدل أن يخبرهم عن بولس أخذ يضرب على صدره ويقول: "ويل لي أنا الخاطئ الشقي الذي يحمل اسم ناسك عن غير حق! لقد رأيت إيليا، رأيت يوحنا في البرية... رأيت بولس في الفردوس". وإذ حرك الفضول في تلاميذه سألوه أن يفصح فأجابهم: "ثمة وقت للكلام ووقت للصمت! ومن دون أن يفكر في طعام يأخذه معه. قبض على الرداء وأسرع خارجاً. همه كان أن يدرك بولس قبل موته!

مشى أنطونيوس مقدار ثلاث ساعات. فجأة رأى بولس صاعداً إلى السماء في نور وضاء وسط الأرواح المغبوطة. فوقع على الأرض وغطى رأسه بالرمل وصاح: "آه يا بولس، لماذا تركتني؟ لماذا لا تسمح لي بتوديعك؟ أكان يجب أن أضيعك هكذا سريعاً بعدما التقيتك متأخراً؟

ثم قام وأسرع الخطى من جديد. فلما وصل إلى المغارة. وجد جسد القديس في حال الركوع فظن أنه ما زال حياً فركع بقربه وأخذ يصلي. وإذ انتبه إلى أن بولس لا يتنفس بصوت مسموع كما ألفاه في المرة الأولى، عرف أنه قد مات، فقام وألقى بنفسه على عنقه وقبله قبلة حزينة وبكى عليه طويلاً.

أخيراً قام أنطونيوس وسحب جسد بولس خارج المغارة ليدفنه وهو يردد التسابيح والمزامير. لكنه لما رغب في نبش حفرة يواري فيها الجسد لم يجد ما يستعين به فارتبك. وإذا بأسدين يظهران من عمق الصحراء ويتقدمان ليربضا عند جسد بولس ويداعبانه بذيليهما وهما يزأران وأنهما في حال النحيب عليه. ثم أنهما أخذا يفران الأرض بمخالبهما ويلقيان الرمل من هنا ومن هنا، إلى أن أحدثا حفرة تكفي لضم جسد بولس. فلما انتهيا من عملهما تقدما من انطونيوس مطأطئي الرأس ولعقا يديه ورجليه، فأدرك أنطونيوس أنهما يتوددان إليه ليسألاه البركة فباركهما على هذا النحو: "أيها السيد، يا من بغير مشيئته لا تسقط ورقة واحدة من الشجر على الأرض ولا يهلك أقل طيور السماء. أنت أعط هذين الأسدين ما تعرف أنه ضروري لهما". فلما قال هذا أشار إلى الأسدين بالانصراف، فانصرفا. وقام هو إلى الجسد فجعله في الحفرة ورد عليه التراب وعاد إلى ديره. شيء واحد حمله معه من المكان، رداء بولس المصنوع من جريد النخيل، الذي أخذ، مذ ذاك، يلبسه في أعياد الفصح والعنصرة.

قنداق للدخول باللحن الأول

يا مَن بمولدكَ أيها المسيح الإله للمستودع البتولي قدَّستَ وليدَي سمعان كما لاقَ باركتَ، ولنا الآن أَدركتَ وخلَّصتَ، احفظ رعيتَك بسلامٍ في الحروب، وأَيّد الملوكَ الذينَ أَحببتْتَهم، بما أنكَ وحدك محبٌ للبشر.

طروبارية القديس البار يوحنا الكوخي باللحن الرابع

لما صبوتَ إلى الرب منذ الطفولية بحرارة، تركتَ العالم والمطربات التي في العالم، ونسكتَ نسكاً فاضلاً، ونصبتَ الكوخ عند أبواب والديك، فسحقتَ مكامن الأبالسة، يا يوحنا الكلي الغبطة، فلذلك قد شرَّفكَ المسيح باستحقاق.

في الأودية الثالثة قنداق باللحن الثاني

لما رغبتَ أيها الحكيم يوحنا، في المسكنة المماثلة مسكنة المسيح، تركتَ ثروة والديك، وتبعتَ المسيح الإله، حاملاً الإنجيل بيديك، متشفعاً على الدوام من أجل جميعنا.

طروبارية القديس بولس الصعيدي باللحن الرابع

لِلبَرِيَّةِ غَيْرِ الـمُثْمِرَةِ بِمَجارِي دُمُوعِكَ أَمْرَعْتَ. وبِالتَّنَهُّداتِ التي مِنَ الأَعْماق أَثْمَرْتَ بِأَتْعابِكَ إِلى مِئَةِ ضِعْفٍ. فَصِرْتَ كَوكَباً لِلمَسْكونَةِ مُتَلأْلِئاً بِالعَجائِب. يا أَبانا البارَّ بولس فَتَشَفَّعْ إِلى المَسِيحِ الإِلَهِ أَنْ يُخَلِّصَ نُفُوسَنا.

في السادسة قنداق باللحن الرابع

لنمدح جميعناً أيها المؤمنون، الكوكب الشارق في سمّو الفضائل، بولس الشريف هاتفين: أنتَ بهجة الأبرار أيها المسيح.