يا مُرائِي أَليسَ كُلُّ واحِدٍ مِنكـم يَحِلُّ ثورَهُ أو حمارَهُ في السبتِ من المِذوَدِ وينطَلِقُ بِهِ فَيَسِقيِه. (لو15:13)

 

سيرة القديس

طروبارية

قنداق

القديس باطابيوس البار (8 كانون الأول)

سنكسار الأب الجليل في القديسين صوفرونيوس أسقف قبرص

 

لا نعلم تماماً متى عاش. ربما في القرن الثامن للميلاد خلفاً لأسقف محلي قديس اسمه دميانوس. سلك بأمانة في الرب متأملاً بما جاء في الكتب المقدسة. منّ عليه الرب الإله بموهبة صنع العجائب. برزت صورته في التراث كمعيل للجائعين ومعين للفقراء وسند لليتامى ومؤازر للمتضايقين.

سنكسار القديس البار باطابيوس

لا نعرف تماماً متى عاش القدّيس باطابيوس. بعض الدارسين يجعل رقاده في القرن السابع الميلادي.

‏ولد في صعيد مصر لعائلة تقية. أحسّ ببطلان العالم بقوة منذ نعومة أظفاره فمال عن الحياة الدنيا إلى الحياة الرهبانية الملائكية.

‏خرج إلى الصحراء لا يدري كيف يتدبر ولا ماذا يعمل ولا إلى أين يتجه. شوقه أخرجه إليها كما أخرج الكثيرين من قبله. وهج النور الإلهي الساكن في مقتحمي البرّية الأبرار،  في تلك الأيّام، جذب الكثيرين إليها. وإذ ألقى باطابيوس بنفسه في أحضان الصحراء ظنّ، بكل بساطة، أنه إنما يلقي بنفسه، بالإيمان، في أحضان الله الحي. ولم يخيبه ربه، لأن من قال: "كل من يأتي إليّ لا أطرحه خارجاً"، و "لا أهملك ولا أتركك"، تلقّف عبده برحمته ورعاه بحنانه، فنما باطابيوس في النعمة والقامة وتكمّل في الهدوء وكل فضيلة وماثل المعلم في الوداعة وتواضع القلب، فمّن عليه المعلم بمواهب جمّة حتى صار منارة لكثيرين ومشفى لأدواء العديدين.

‏وسطع نور الرب في عبده فاهتدى إليه الناس وصاروا يتدفّقون عليه. وخشي باطابيوس، من كثرة المقبلين إليه، أن يخسر سيرة الهدوء والصلاة المستمرة ففكر بالانتقال إلى مكان آخر لا يدري بأمره فيه أحد. ولكن، إلى أين؟ إلى عمق الصحراء؟ كلا، بل إلى عمق المدينة وصحراء الغربة فيها، إلى المدينة المتملكة، القسطنطينية! هذا ما أوحت به إليه عناية ربّه فانتقل إلى موضع قريب من كنيسة السيدة في ناحية بلاشيرن المعروفة في قلب القسطنطينية.

‏نعِم قدّيسنا بالهدوء في "برّية القسطنطينية" ردحاً من الزمان. قسى ‏على نفسه فيها أكثر من ذي قبل. عاد لا يبالي بالكلية لا بطعام ولا بلباس. صار كملاك في الجسد. وقد تقدّم في صلاة القلب إلى حد أنه تمكّن، بنعمة الله، من الارتقاء إلى السموات ومعاينة القوّات العلوية تمجّد الله على الدوام.

شفاء الأعمى:

‏يحكى أن شاباً تقياً فاضلاً كان أعمى منذ مولده. هذا سمع بفضائل القدّيس ونعمة الله عليه. فقدم إليه وفعل ما فعله أعمى أريحا (مرقس64:10...) لما درى بمرور السيد بقربه. أخذ الشاب يصرخ إلى القديس: "ارحمني يا ابن النور والنعمة، ارحمني باسم الرب! أنر عينيّ لأتمكن، أنا غير المستحق، من رؤية خليقة الله وشكره عليها!". فتحنّن عليه القديس ورثى لحاله. وإذ عرف بروحه أن له إيماناً ليشفى، سأله، عن تواضع، مريداً أن يعطي المجد لله: "ما الذي تراه فيّ، يا بني، لتسألني أن أشفيك مع أن الله وحده الشافي؟". فأجابه الشاب بدموع: أنا واثق يا أبي أنك قادر أن تفتح عينيّ لأنك خادم لله! إذ ذاك رفع القدّيس صوته قائلاً له: باسم الرب يسوع المسيح الذي يرّد البصر للعميان ويقيم الموتى ليَعدْ إليك نور عينيك! فلما قال هذا انفتحت للحال عينا الأعمى وأبصر كل شيء من حوله بوضوح. فمجّد الله بفرح عظيم، وكذا فعل الحاضرون، وتعجبوا بالأكثر لأنهم كانوا يعلمون أن الإنسان الذي جرت له الآية أعمى منذ مولده.

رجل ممعود:

‏كان رجل يعاني من انتفاخ مؤلم في معدته فعرض نفسه على أطباء كثيرين فلم ينتفع شيئاً. أنفق كل ما كان له ولم يجد أحد علاجاً لحاله، لا بل ساء وضعه وانحبست المياه في بدنه وانتفخ كله. فلما يئس من عون الناس ذهب إلى قديس الله فألفاه القديس في أسوأ حال لأن جلده كان قد أضحى كجلد الماعز وكان يعاني آلاماً فظيعة. فصلّى القديس بدموع ورسم عليه إشارة الصليب ودهنه بالزيت المقدس قائلاً له: الرب الإله يشفيك اليوم برحمته، يا بني! وللحال انفتحت مسام جلده وخرجت منها مياه قذرة كريهة الرائحة واستمرت كذلك إلى أن شفي تماماً. ففرح وشكر ومجّد الله كثيراً.

الشاب والروح الخبيث:

‏كان في شاب روح خبيث تسلّط عليه بالكلية، فكان يمزّق ثيابه ويركض عرياناً. وكان الروح الخبيث يدفعه إلى النار والماء ليميته فصار في خطر مبين.

وحدث أن سار الروح الخبيث بالشاب مرة إلى البحر ليلقيه فيه. وفي الطريق،مرّ بالقديس. فلما عاين الروح الخبيث رجل الله صرع الشاب للحال واهتاج فيه حتى صارت عينا الشاب تتحركان بتوتر في كل اتجاه وتنقلبان وأخذ يتمرّغ ويُزبد ويصرّ بأسنانه. فدنا منه قديس الله، فاضطرب الروح الخبيث بالأكثر، وسُمع يقول: ما هذه المصيبة التي حلّت بي؟! أإلى هنا أتى باطابيوس أيضاً؟! إلى أين أذهب بعد اليوم؟! إلى أين أهرب منك أيها الناصري؟! أذهب إلى الصحراء فتطردني! أذهب إلى المدينة فتخرجني! وأنا بعلامة الصليب أُضرب وأتحطّم!

‏ولما تلفّظ الروح الخبيث بهذه الكلمات رفع الشاب في الهواء وأخذ يخبطه.

إذ ذاك رفع القديس يمينه ورسم إشارة الصليب في الهواء قائلاً: اخرج أيها الروح الخبيث من هذا الشاب إلى البرّية ولا تعد إليه! الرب يسوع المسيح يأمرك بي، يا من تعترف بقوته مرغماً!

‏ولما قال قديس الله هذا سقط الشاب أرضاً وخرج منه الروح الخبيث كغيمة دخان. فبكى الشاب من الفرح ومجّد الله وشكر قديسه.

سرطان الثدي:

‏امرأة كانت تعاني من سرطان الثدي ساءت حالها جداً وأخذ الدود يخرج من صدرها. كانت قد أنفقت كل معيشتها على الأطباء ولم تستفد شيئاً. لم تعد لها طاقة على الحياة فطلبت الموت. هذه سمعت بالقديس باطابيوس فذهبت إليه وسجدت عند قدميه وتوسلت إليه: اشفني يا خادم الله أنا البائسة! ارأف بي أنا الشقية! حتى قبل أن أسكن القبر يأكلني الدود! وأنا في أوجاع لا تطاق! فقال لها القديس: إذا كان لك إيمان بالرب يسوع ولا تشكّين فهو يشفيك! فتنهدت المرأة بدموع وقالت له: أؤمن بالرب يسوع القادر على كل شيء وأومن بأنه رحيم وهو يشفيني! فسألها القديس أن تريه موضع المرض، فأرته إياه فتعجّب وقال لها: مرضك صعب يا امرأة، ولكن بالإيمان كل صعوبة تهون. لذلك أقول لك اذهبي بسلام. أنت منذ الآن معافاة من دائك. فشفيت المرأة من ساعتها وذهبت تمجّد الله بفرح عظيم. ولم تترك أحداً مرّت به إلاّ أخبرته بما فعل لها رجل الله حتى شهرته بين الناس.

رقاده:

‏كان رقاد القديس، كما يبدو من سيرته، في أحد الديورة لأن الذين اجتمعوا إليه ليودعوه كانوا من النسّاك. كانوا شديدي الحزن على قرب مغادرته لهم. فما كان منه سوى أن عزّاهم وكلّمهم عن الحياة الأبدية وسألهم الصلاة عنه وعن أنفسهم. ولما استكمل كلامه استودع روحه بين يدي الله بسلام وفرح. وقد دفن في كنيسة القديس يوحنا المعمدان.

ملاحظة: يذكر بعض الدارسين أن رفات القديس باطابيوس ضاعت في القرن العاشر للميلاد، وبقيت قروناً طويلة لا يدري بأمرها أحد إلى أن جرى الكشف في كنيسة دير صفير في قمة جيرانيا، فوق لوتراكي القريبة من مدينة كورنثوس، عن رفات قدّيس اسمه باطابيوس ظُنّ أنه إياه من نحتفل بعيده اليوم. هذا حدث سنة 1904 ‏م. ويقال إن الرفات كانت كاملة وكأن صاحبها دفن هناك. وقد خرجت منها رائحة طيب سماوية وكان بقربها جلد كتب عليه اسم القديس صاحبها. ولكن كيف وصلت رفات القديس إلى قمة جيرانيا؟ هل يعقل أن يكون قد رقد ودفن في هذا الدير الصغير؟ ربما هو قديس آخر يحمل الاسم نفسه! كل هذا مطروح للبحث. ويبقى أنه منذ أن تمّ الكشف عن الرفات أجرى الله بها عدداً من الأشفية، فصار المكان محجة. وقد نشأت فيه شركة رهبانية نسائية سنة 1953 ‏ما زالت مزدهرة إلى اليوم.

سنكسار القديسون الرسل سوستانيس وأبلس وصفا وتيخيكوس وقيصر وأبفرودتس

أما سوستانيس فلعله رئيس مجمع اليهود في كورنثوس ورد ذكره في كتاب أعمال الرسل (17:18) في إطار سعي اليهود إلى تسليمه للوالي الروماني غاليون ورد فعل اليونانيين الذين أخذوا سوستانيس وضربوه أمام الوالي فلم يحرّك ساكناً لينقذه. هذا ظنّ، على ما ذكر القديس يوحنا الذهبي الفم. أنه إيّاه من يسمّيه الرسول بولس "أخاً" في مطلع رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس. فإن صحّت هذه النسبة يكون سوستانيس قد صار مسيحياً ورافق الرسول بولس في رحلته. وقد جاء في التراث أن سوستانيس تسقّف على كولوفون. من توابع أفسس. في آسيا الصغرى.

وأما أبلس. كما ورد بشأنه في سفر أعمال الرسل (24:18_28)، فكان يهودياً من الإسكندرية فصيحاً ضليعاً بما في الكتب. خبيراً بطريق الرب. حاراً بالروح، يتكلم ويعلّم بتدقيق ما يختص بالرب. ولكن لم تكن له معرفة إلا بمعمودية يوحنا. فلما دخل إلى المجمع في أفسس جاهر بهذا. فسمعه مسيحيان هما أكيلا وبريسكلا فأخذاه إليهما وشرحا له طريق الرب بأكثر تدقيق فاستجاب لتعليمهما وصار مسيحياً. مذ ذاك أخذ يفحم اليهود جهراً مبيّناً بالكتب أن يسوع هو المسيح. وقد ساعد كثيراً بالنعمة الذين كانوا قد آمنوا.

ثم أن بولس الرسول ذكر أبلس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (12:1، 4:3_6، 22: 6:4). ويستفاد من الكلام بشأنه أن جماعة من أهل كورنثوس تحزّبت له. فحدثت على الأثر خصومات ومنازعات. هذا يقول أنا لبولس وذاك أنا لأبلس. فكتب الرسول بولس محذّراً أهل كورنثوس من الانشقاقات. لافتاً إلى أن بولس وأبلس أن هما سوى خادمين للمسيح الواحد، بولس غرس وأبلس سقى ولكن الله هو الذي أنمى وينمي. لذلك لا يليق الافتخار بهذا أو ذاك. لأن كل شيء هو لكم، أبولس أم أبلس أم صفا، وأما أنتم فللمسيح والمسيح لله.

هذا ويبدو أن الرسولين بولس وأبلس كانا على وفاق تام فيما بينهما. ولعلّ الرسول المصطفى أراد أن يعكس هذه الصورة عن نفسه وأبلس لما أخبر أهل كورنثوس في خاتمة رسالته الأولى إليهم أنه طلب إلى أبلس بإلحاح أن يأتي مع الإخوة إلى كورنثوس فلم يشأ لأن الوقت لم يكن موافقاً له (1كور12:16).

وآخر من يأتي الرسول بولس على ذكر أبلس في الرسالة إلى تيطس (13:3) حيث يوصي تيطس به سائلاً إياه أن يجهّزه باجتهاد للسفر حتى لا يعوزه شيء.

وفي التراث أن أبلس صار أسقفاً على قيصرية أو أدريا السورية أو كولونيا. ولعله أسس كرسي كولوسي والله أعلم.

أما صفا فلا نعرف من هو. وإذا كان هو إياه المذكور في( 1كور22:3) أفيجوز أن يكون بطرس الرسول المدعو صفا أيضاً (يو22:1)؟ ربما! فالرسول بولس يسمّي بطرس أحياناً صفا كما في (غلا9:2) وأحياناً بطرس كما في (غلا11:2).

وأما تيخكس فمواطن من آسيا الصغرى (أع4:20) رفيق لبولس الرسول في أسفاره. في رسالة (أف21:6) يسميه الرسول "الأخ الحبيب والخادم الأمين في الرب". وفي رسالة (كولو7:4) أنه "العبد معنا في الرب" وقد حمل رسائل بولس إلى أفسس وكولوسي وربما إلى كريت أيضاً معزّياً قلوب المؤمنين في هاتين المدينتين ومعلماً إياهم بأحوال الرسول. وفي التراث أنه خلف سوستانيس على كولوفون أسقفاً. ولعله، حسبما يقول آخرون، كان أول أسقف على خلقيدونيا في بيثينيا.

أما قيصر فلعله المذكور في الرسالة إلى أهل فيليبي (22:4). قيل إنه تسقّف على كورونا في البليوبونيز.

وأما أبفرودتس فهو أيضاً أحد رفقاء بولس. ويظهر أن كنيسة فيليبي اختارته ليحمل عطايا إلى الرسول المصطفى لما كان مأسوراً في رومية. وذكر بولس في رسالته إلى أهل فيليبي أنه امتلأ إذ قبل من أبفرودتس الأشياء التي من عند أهل فيليبي "نسيم رائحة طيبة ذبيحة مقبولة مرضية عند الله" (في18:4). وكان أبفرودتس هو من حمل هذه الرسالة عائداً إلى فيليبي. وقد ورد في التراث أنه تسقّف على فيليبي.

قنداق لتقدمة الميلاد باللحن الثالث

اليوم العذارء تأتي إلى المغارة، لتلد الكلمة الذي قبل الدهور، ولادة لا تفسر ولا ينطق بها، فافرحي أيتها المسكونة إذا سمعتِ، ومجّدي مع الملائكة والرعاة، الظاهر بمشيئتهِ طفلاً جديداً، وهو إلهنا قبل الدهور.

طروبارية أبينا البار بتابيوس باللحن الثامن

بكَ حفظت الصورة باحتراس وثيق، أيها الأب بتابيوس. لأنكَ قد حملتَ الصليب فتبعتَ المسيح، وعملتَ وعلَّمتَ أن يُتغاضى عن الجسد لأنهُ يزول، ويهتَّم بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيها البارَّ تبتهج روحُكَ مع الملائكة.

قنداق باللحن الثالث

إن الشعوب إذ قد وجدوا هيكلك أيها القديس مستشفى روحيّاً، فهم يتقدمون إليه برغبةٍ، مستمدين أن ينالوا شفاء الأسقام، وغفران ذنوب الحياة، لأنكَ قد ظهرتَ منجداً لجميع الذين في الشدائد أيها البار بتابيوس.