الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم إِنَّكم مِنَ الآنَ تروْنَ السماء مفتوحةً، وملائكةُ الله يصعدون وينزلون على ابن البشر (يو51:1)

 

سيرة القديس

طروبارية

قنداق

القديس نيقولاوس العجائبي أسقف ميراليكية (6 كانون الأول)

سنكسار القديس مكسيموس متربوليت كييف وفلاديمير

(+1305م)

 

أحد الذين قاوموا إنفاق الوحدة المزعومة بين الكنيسة اللاتينية والكنيسة الأرثوذكسية إثر مجمع ليون (1274م). تسقف متروبوليتاً على روسيا في زمن كان التتار قد دمروا كييف وشتتوا سكانها. عرف كيف يحاور التتار ونقل مركز المتروبولية إلى مدينة فلاديمير شمالاً. اهتم بإعادة تنظيم الكنيسة الروسية وساس قطيع المسيح فيها بالحكمة والدراية. يذكر أن مدينة فلاديمير تستظل، منذ القديم، بوالدة الإله. وإلى فلاديمير تُنسب أبرز إيقونة لوالدة الإله في كل البلاد الروسية.

هذا وقد استقر جسد القديس في كاتدرائية فلاديمير، إلى أن اكتشف، في القرن التاسع عشر، أنه سالم من الانحلال.

سنكسار القديس نيقولاوس العجائبي أسقف ميراليكية

(القرن الرابع)

هو أكثر القدّيسين شهرة في كنيسة المسيح، شرقاً وغرباً. فصورته، كما ارتسمت في وجدان الناس عبر العصور، هي صورة الراعي الصالح، على مثال معلّمه. لا يترك إنساناً يستنجد به إلاّ هبّ إلى نجدته كائنة ما كانت حاله أو ضيقته أو حاجته. أكثر القدّيسين، كما نعرف، ارتبط ذكرهم، بين الناس، بحاجة محدّدة. هذه ليست حال القديس نيقولاوس. القديس نيقولاوس، على مرّ العصور، بدا وكأنه قدّيس لكل ظرف وحاجة. بهذا المعنى كان، في هذا البلد أو ذاك، شفيعاً للتلامذة والأولاد العاقلين والفتيات اللواتي لا مهر لهن والبحّارة والصيّادين والعتّالين وباعة النبيذ وصنّاع البراميل وعمّال البيرة والتجّار والبقّالين والقصّابين والمسافرين والحجّاج والمظلومين والمحكومين والمحامين والأسرى والصرّافين وغيرهم. لذلك لا عجب إذا كانت الكنيسة، عندنا، قد خصّته بيوم الخميس إكراماً واستشفاعاً، كما أدخلت الكنيسة اسمه في عداد النخبة من القدّيسين الذين يستعين بهم المؤمنين، على الدوام، عبر الإفشين الذي يُتلى في صلاة السحر وغيرها من الصلوات والذي أوله: "خلّص يا رب شعبك وبارك ميراثك...".

كل هذا ولا نعرف من أخبار القدّيس نيقولاوس قبل القرن التاسع للميلاد إلا القليل القليل، مع أنه من المفترض أن يكون قد عاش وصار أسقفاً ورقد بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين. فأول من كتب سيرته بتوسّع كان القدّيس سمعان المترجم حوالي العام 912م. وكان مثوديوس، بطريرك القسطنطينية، قد دوّن عنه، قبل ذلك، سيرة مختصرة حوالي العام 840م. رغم ذلك، رغم افتقادنا إلى شهادات تاريخية مبكّرة في شأنه لا نشعر بالحرج ولا نعتبر النقص في المعلومات التاريخية المبكرة بشأنه حائلاً دون إكرامه. السبب بسيط أننا لم نعتد، في الكنيسة، إكرام القدّيسين استناداً إلى ثوابت تاريخية تؤكد أخبارهم- وهذه مفيدة إذا توفرت ولكن غالباً ما يتعذّر توفرها- بل لأن السابقين أكرموهم قبلنا. ولنا في الكنيسة، في شأن القدّيس نيقولاوس، شهادات تؤكد إكرامها له منذ القرن السادس للميلاد.

شهادات عنه:

بين ما نعرفه أن الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس بنى على اسمه، في القسطنطينية، سنة 530م كنيسة هي الكنيسة المعروفة باسم القدّيسين بريسكوس ونيقولاوس في حي بلاشيرن الشهير بكنيسة السيدة فيه. وعلى مقربة من المكان كان أحد الأسوار يحمل اسمه. وعندنا للقدّيس نيقولاوس إيقونات أو رسوم حائطية منذ ذلك القرن أيضاً، نشاهد بعضها في دير القديسة كاترينا في سيناء.

ذكره كان معروفاً تماماً.

من أقدم أخباره، من القرن الميلادي السادس، ظهوره لقسطنطين الملك في الحلم. يومذاك طلب منه قديسنا أن يوقف تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة ضبّاط أدينوا ظلماً.

ما شاع عنه:

شاع عن القدّيس نيقولاوس أنه ولد في باتارا من أعمال ليسيّة الواقعة في القسم الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى، وأن ولادته كانت في النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد. ارتبط اسمه باسم ميرا القريبة من باتارا، على بعد ثلاثة أميال منها. وقد ذُكر أنه تسقّف عليها. ميرا، في آسيا الصغرى أو كما تعرف اليوم بر الأناضول، هي "دمري" الحالية. هناك يبدو أن ذكر القدّيس لم تمحُه السنون بدليل أن المسلمين جعلوا له عند الكنيسة التي قيل أن القدّيس كان يقيم الذبيحة الإلهية فيها، أقول جعلوا له تمثالاً لما أسموه NOEL BABA"". يذكر أنه كانت لميرا، في وقت من الأوقات، ست وثلاثون أسقفية تابعة لها.

إلى ذلك قيل أن القديس نيقولاوس عانى الاضطهاد في أيام الإمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس وأنه اشترك في المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325م.

هذا ويبدو أن قدسنا رقد في ميرا حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي واستراحت رفاته في الكنيسة الأسقفية هناك إلى أن دهم الموضع قراصنة من باري الإيطالية عام 1087م فسرقوه وسط احتجاج رهبان كان يقومون بخدمة المحجّة، وعادوا به إلى بلادهم حيث ما يزال إلى اليوم. وقد ذكرت مصادر عريقة أنه في كلا الموضعين، ميرا وباري، كان سائل طيب الرائحة يفيض من رفاته.

نشير إلى أن بعض المصادر يخلط ما بين القديس نيقولاوس أسقف ميرا ونيقولاوس آخر يبدو أنه تسقّف في القرن السادس أو ربما السابع على بينارا من مقاطعة ليسيّة عينها. هذا الأخير كان رئيساً لدير صهيون المقدّسة ثم صار أسقفاً على بينارا ودفن في ديره على مقربة من ميرا.

أخباره:

من الواضح، في ما يُروى عن القدّيس نيقولاوس، أن أخباره عجائبية في أكثر تفاصيلها. حتى الأخبار التي يمكن أن تكون عادية عنه سكبتها الأجيال المتعاقبة بقالب عجائبي تأكيداً لطابع سيرته العجائبي. فلقد جاء عنه أنه كان يصوم عن الرضاعة في طفوليته يومي الأربعاء والجمعة إلا مرة واحدة بعد غروب الشمس. وأن عماً له، اسمه نيقولاوس أيضاً، كان أسقفاً على باتارا، لما سامه كاهناً تنبأ بالروح أن القدّيس سيصبح أسقفاً يوماً ما وسيكون تعزية وخلاصاً لكثيرين. ولما اختير أسقفاً على ميرا كان ذلك بتوجيه من ملاك.

وقد كتب عنه مثوديوس القسطنطيني أنه عاين في رؤية مرة، الرب، يسوع المسيح مجللاً بالمجد، واقفاً به وهو يسلمه الإنجيل الشريف ووالدة الإله، من الجهة المقابلة، تضع الصاكوس على كتفيه. بعد ذلك بفترة قصيرة رقد يوحنا، أسقف ميرا، واختير نيقولاوس خلفاً له.

إلى ذلك هناك عدد من الأحداث المروية عن القديس نيقولاوس تبيّنه رؤوفاً محباً للإحسان والعدالة. بعض هذه الأحداث جرى له في حياته وبعضها بعد موته. مرتان أنقذ سفينة أشرفت على الغرق وكان مسافراً فيها. مرة استجار به البحّارة وهم في عرض البحر وهو في كنيسته فأتى إليهم وأجارهم. مرة أوحى في الصلاة إلى سفينة محملة بالقمح كانت في عرض البحر فاتجهت صوب مقاطعة ليسيّة التي كانت قد حلّت بها مجاعة عظيمة. مرتان أنقذ غريقاً من الهلاك. مرة أقام ثلاثة أولاد من الموت. ومرة أنقذ ثلاثة مظلومين قبل لحظات من تنفيذ حكم الإعدام بهم.

على أن هناك ثلاثة أخبار عنه هي أكثر أخباره شيوعاً بين العامة. دونك إيّاها مفصّلة.

إنقاذه  ضباطاَ مظلومين:

اندلعت في أيام قسطنطين الملك ثورة في فرنجيا الكبرى قامت بها جماعة تعرف ب "الترافيليون" ولما تناهى الخبر إلى السلطة المركزية في القسطنطينية، بادر الملك إلى إرسال ثلاثة من القادة العسكريين لديه على رأس جيش كبير لمعالجة الوضع. فتوجه العسكر إلى فريجيا. وبعدما تمكّنوا من وضع حد للاضطرابات الحاصلة، عادوا إلى المدينة المتملكة مظفّرين، فأحسن قسطنطين وفادتهم وأكرمهم. ولكن تحرّك الحسد في نفوس بعض الحاقدين فشيّعوا لدى أفلافيون الوزير أن القادة الثلاثة لم يخمدوا ثورة "الترافيليون" بل عقدوا وإياهم اتفاقاً سرياً للإطاحة بالملك. ودعم الحاسدون دعواهم بشهود زور وتقديم هدايا ثمينة للوزير. كان الاقتراح أن يسعى الوزير إلى عرض الأمر على الملك لإثارة مخاوفه ومن ثم انتزاع موافقته على إعدام الثلاثة في أسرع وقت ممكن. فقبض الوزير على القادة المعنيين وزجّهم في السجن ثم بادر إلى الملك وهوّله بأخبار المكيدة التي يحيكها الثلاثة ضدّه، ثم سأله أن يصدر أمراً بإعدامهم للحال وأداً للفتنة. فارتاع الملك ووافق على إنزال عقوبة الإعدام بالثلاثة في البوم التالي. في تلك الليلة قبع الثلاثة في سجنهم ينوحون ويبكون، وهم يضربون أخماساً بأسداس. لم تكن أمامهم حيلة يردّون بها عن أنفسهم هذا الخطر المداهم. وحدها الصلاة بقيت نصيباً لهم فصلوا وسألوا القديس نيقولاوس أن يعينهم: "يا إله أبينا نيقولاوس نجّنا....". فظهر القديس في الحلم لكلا الرجلين، الملك ووزيره. قبل شروق الشمس، وطلب إليهما بتهديد أن يبادرا للحال إلى إطلاق سراح القادة الثلاثة لأنهم مظلومون. ولما كان الصباح أرسل الملك في طلب الوزير. وبعد الأخذ والرد أدرك الاثنان أنهما عاينا حلماً واحداً في شأن المحكومين فتوجسا خيفة. على الأثر أمر الملك بإحضار الثلاثة إليه. فلما حضروا دافعوا عن أنفسهم فتبيّن أنهم أبرياء فأطلق سراحهم.

البنات والمهر:

وكان هناك شخص غني عنده ثلاثة بنات جميلات. فقسى عليه الدهر فافتقر. ولما عضّه العوز وأبت عليه كرامته أن يمدّ يده ويطلب لنفسه وبناته حسنة، عرض عليه إبليس أن يدفع بناته إلى تعاطي تجارة الزنى، فقاوم التجربة إلى أن قويت عليه. ولكن قبل أن يبادر إلى تنفيذ ما علق في نفسه عرف القديس نيقولاوس بأمره فأتاه تحت جنح الظلام وألقى إليه من الطاقة بكيس من النقود وذهب. وفي الصباح اكتشف الرجل النقود ففرح بها فرحاً عظيماً، وتساءل من فعل ذلك. وإذ شغلته الفرحة والنقود اكتفى بشكر الله, وقام فجهّز ابنته الكبرى وزوّجها. وعندما رأى القديس أن الرجل استعمل النقود للخير عاد وأتاه من جديد ورمى إليه بنفس الطريقة، في الليل، مبلغاً من المال وذهب. واستفاق الرجل على كيس آخر من النقود فتعجّب وتساءل، ثم اكتفى بشكر الله وجهّز ابنته الثانية كما فعل بالأولى وزفّها إلى أحد الشبّان الطيّبين. أخيراً جاء إليه القديس ثالثة وأعاد الكرّة من جديد، لكن الرجل تنبّه، هذه المرة، للأمر فأسرع وفتح الباب وركض في إثر صانع الخير إلى أن أدركه. فلما رأى القديس نيقولاوس أن سرّه استبان ركع عند قدمي الرجل ورجاه ألا يعلم به أحداً. وبعد أخذ ورد، عاد القديس من حيث أتى، وعاد الغني المفتقر إلى بيته يسبّح ويمجّد. ثم ذهب فأدّى لابنته الصغرى ما أداه لأختيها من قبلها.

عودة الغريق إلى بيته:

يحكى عن رجل اسمه يوحنا عاش في القرن التاسع الميلادي في القسطنطينية، تقي ورع يحب الله ويكرم قدّيسه نيقولاوس، أنه سافر مرة في البحر لعمل. وبعد ساعات معدودة من مغادرته اهتاج البحر وضربت عاصفة السفينة التي كان مسافراً فيها. فأسرع البحّارة إلى ربط الأشرعة، وكان الوقت ليلاً. في تلك الساعة خرج الرجل إلى ظهر السفينة لقضاء حاجة. وما أن خطا خطوات قليلة إلى الأمام حتى اضطربت السفينة يميناً ويساراً فاختل توازن الرجل وسقط في البحر على مرأى من البحّارة وصراخهم. وغار الرجل في المياه وبكى البحّارة لفقده. ولكن لن تكن هذه نهاية القصة. فما أن بدأ الرجل بالغرق حتى صرخ في قلبه على غير وعي منه: "يا قدّيس الله نيقولاوس أعنّي!" وما أن فعل حتى وجد نفسه في غير مكان. وجد نفسه في بيته والماء يسيل من ثيابه. ولما استمر في الصلاة صارخاً، نهض أهل بيته من نومهم مذعورين فوجدوه على هذه الحالة فاندهشوا وتحيّروا وخانتهم لغة الكلام إلى أن استردوا وعيهم وسألوه لماذا هو بهذه الحالة وكيف عاد إلى بيته. وسادت في المكان جلبة ليست بقليلة ما أن هدأت حتى فهم الجميع من الرجل أنه سقط غريقاً في البحر وأن القديس نيقولاوس هو الذي أدركه وأعاده إلى بيته سالماً معافى. فتُحُدث بهذا العجب في كل القسطنطينية وشكر الجميع الله وازدادوا إكراماً لقدّيسه نيقولاوس وتعلّقاً به واعتماداً عليه. أما يوحنا فقيل إنه والد بطريرك القسطنطينية مثوديوس الأول الذي اعتلى سدّة البطريركية بين العامين 843 و847م.

سنكسار الأب الجليل في القديسين ثيوفيلوس أسقف أنطاكية

(القرن الثاني للميلاد)

هو أسقف أنطاكية العظمى السادس أو ربما السابع. ولد لأبوين وثنيّين ونشأ وثنياً. درس الفلسفات القديمة وبرع فيها. لم تفسده الوثنية. كانت روحه روح إنسان حرّ توّاق إلى الحقيقة أولاً. لم يقع في غواية المعرفة ولا استكبر. شوقه إلى الحقيقة دفعه إلى البحث عنها بتواضع وانفتاح قلب دون أحكام مسبقة. التأمل في الخليقة كان له نهجاً. وقد أفضت به تأملاته إلى اكتشاف خالق السماء والأرض وبالتالي إلى نبذ دين آبائه. قال فيما بعد: "إن عظمة صلاح الله في الخليقة مدهشة إلى حد أنه لا طاقة لأحد على وصف نظام الخليقة وترتيبها ولو تزود بالبلاغة السيّالة لألف لسان وامتدت حياته إلى ألف عام". فلسفة القدامى لم تروه والوثنية بدت لناظريه منافية للعقل السليم. وفي بحثه الدؤوب عن الحقيقة قرأ الأناجيل والأنبياء فوجد فيها ضالته المنشودة وصار مسيحياً. مذ ذاك أدرك كم أن اسم المسيحي عزيز في عين الله، ولا يحتقره إلا الجهلة والأشرار. كما أدرك، وهو الفيلسوف المتمرس، أن المسيحية ليست فكراً ولا فلسفة بالمعنى الذي كان القدامى يتعاطون الفلسفة، بل سيراً في دروب القداسة. أوتوليخوس الوثني الذي كان صديقاً لثيوفيلوس جادله بلا هوادة في شأن هدايته إلى المسيح. ماذا كان جواب ثيوفيلوس؟ "لكل الناس عيون ومع ذلك فنور الشمس محجوب عن بعض الناس. ليس أن الشمس تتوقف عن فيض نورها عن المضروبين بالعمى... ليست الشمس هي العلة بل عماهم. على هذا المنوال، يا صديقي، تُظلم الخطيئة الذهن وتبلّد الفهم. وكما لا يعكس الزجاج الصورة إذا اتّسخ، كذلك لا يتلقى الذهن الختم الإلهي إذا غمرته الخطيئة. هذه هي اللزاجة التي تحجب الرؤية إلى حد بعيد وتعيق معاينة الشمس. من هنا،، يا صديقي، إن إثمك هو الذي ينشر على قوى نفسك غيمة ويجعلك عاجزاً عن تقبل النور البهي".

سنة 168م، على ما يُظن، رقد أيروتوس، أسقف أنطاكية العظمى، فحلّ ثيوفيلوس محلّه, وقد اهتم، منذ توليه سدّة أنطاكية، بالدفاع عن الإيمان القويم ضد الوثنية والهرطقات، والحث على السلوك في حياة الفضيلة. وينتمي القديس ثيوفيلوس إلى فئة الآباء المدافعين عن الإيمان أمثال يوستينوس الشهيد وتاتيانوس وأثيناغوراس.

الهرطقات والانشقاقات بالنسبة  لثيوفيلوس كانت بمثابة صخور خطرة من وقع عليها تعرّض لخسران نفسه. وقد ردّ على هراطقة عصره أمثال مرقيونس وهرموجانيس. الكثير مما كتبه ثيوفيلوس ضاع. ولكن بقي له بعض المؤلفات كالكتب الثلاثة في الرد على أوتوليخوس. وثيوفيلوس هو أول من استعمل لفظة "ثالوث" للتعبير عن معيّة الآب والابن والروح القدس.

عن الكنيسة والإيمان القويم قال: "كما أنه توجد في البحر جزر مخصبة توفّر للبحّارة موانئ صالحة، يلتجئون إليها ليأمنوا هياج العواصف، كذلك وهب الله العالم الكنائس المقدّسة ملاجئ آمنة يفر إليها المشتاقون إلى الحقيقة وطلاب الخلاص لينجوا من غضب الله الرهيب. وثمة جزر أخرى ينقصها الماء وهي مزروعة صخوراً جرداء ولا حياة فيها يلقى عليها البحّارة حتفهم وتتحطم سفنهم... كذلك توجد عقائد فاسدة وهرطقات تدمّر الذين يغترّون بها ويميلون إليها".

ويقارن القديس  ثيوفيلوس بين اعتقادات الوثنين وعقيدة المسيحيين فيرسم للمؤمنين في أيّامه صورة بهيّة تتمثل فيها وداعتهم ومحبتهم لأعدائهم. فهم مستعدون أن يحملوا وزر الاضطهاد ولا يكنّون لمضطهديهم إلا الخير. مع أن هؤلاء يعاملونهم بفظاظة ووحشية.

هذا وقد رقد القديس ثيوفيلوس قرابة العام 190م بعد أسقفية مباركة دامت اثنين وعشرين عاماً، وقيل ثلاثة عشر.

سنكسار القديس البار أبراميوس اقراطيا

(القرن السادس)

من حمص إلى القسطنطينية 

ولد القديس أبراميوس في حمص من أبوين تقيين هما بولس وتقلا. وذلك في مطلع ولاية الملك زينون، سنة 475م. ترهب، صغيراً، في بعض الديورة حول المدينة فتأدب بجميع تدابير الرهبنة. وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره أغار على ديره بعض العرب فهرب ومعلمه إلى القسطنطينية حيث أقام زماناً قليلاً.

وإذ صار معمله رئيساً لأحد الديورة بقرب المدينة، أضحى هو للدير مدبراً، وكان يزداد، كل حين، فضلاً وصلاحاً. ويحسن القيام بتدبير شؤون الدير في الداخل والخارج. كما كان محبوباً من الجميع لسلامة سيرته وبشاشته ونقاوة مجازه وتدبيره.

رئيس دير صغيراً

وفيما هو كذلك ينمو ويزداد يوماً بعد يوم. كان في تلك الناحية رجل مقتدر اسمه يوحنا، من مدينة يقال لها اقراطيا. وكان لهذا أخ اسمه أفلاطون. أسقفاً على تلك المدينة. ولما كان يوحنا قد رغب ببناء دير في أرض آبائه، وعرف بنقاوة مجاز أبراميوس وحسن سيرته وفضله، التمسه ليكون للدير المنوي إنشاؤه رئيساً. فصلى معلمه عليه وبعون الله، تم بناء الدير وصير أفلاطون الأسقف أبراميوس قسيساً ورئيساً. كان قد بلغ من العمر، يومذاك، السابعة والعشرين.

أقام أبراميوس في ذلك الدير عشر سنين. وقد جعل له ذكراً طيباً، وجمع فيه رهباناً دبرهم في ما يرضي الله من جميع الخصال. كما ذاع صيت الدير، هنا وثمة، وصار كثيرون يترددون عليه، أساقفة ورهباناً وعلمانيين، ليتفقهوا به. ولكن، أحزن أبراميوس إقبال الناس عليه بهذه الكثرة لأنه كان محباً للسكون، مبغضاً للسجس.

إلى بيت المقدس فالبرج

فلما اشتدت كآبته، خرج من الدير خلسة وارتحل إلى بيت المقدس وليس معه من حطام الدنيا شيء، كان قد بلغ التاسعة والثلاثين. وفيما هو يتردد في الأماكن المقدسة مصلياً لقيه القديس يقال له الاسخولارس لأنه سبق له أن خدم ضابطاً في الحرس الملكي. وكان هذا تلميذاً لأبينا سابا المتقدس، صيره معلمه رئيساً لدير عرف بـ "البرج" كان أشبه بالمنسك.

فلما وقع نظر الاسخولارس، واسمه يوحنا، على أبراميوس ولاحظ حسن سيرته وطقسه وحلاوة كلامه، عرف أنه عبد لله، فأخذه إلى مأوى الغرباء التابع للافرا القديس سابا. أبراميوس يومذاك كان في شدة وعوز. ثم أن يوحنا أستأذن معلمه القديس سابا أن يكون أبراميوس معه في "البرج" فأذن له. كان في المنسك، إلى جانب يوحنا وأبراميوس، راهبان فاضلان آخران اسم أحدهما يوحنا أيضاً والآخر غريغوريوس. وقد اتفق أبراميوس وأهل البرج في الرأي، فكان خاضعاً لهم، طيعاً بين أيديهم لأنه ألفاهم أقوياء حكماء في تدبير النفوس وخلاصها.

قادم جديد

ومرت الأيام إلى أن قدم إلى بيت المقدس رجل فاضل اسمه ألبنيوس من مدينة يقال لها كلوديوبوليس وكان يبحث عن أبراميوس لأنه لقيه مراراً كثيرة في أقراطيا القريبة من مدينته وانتفع من تعاليمه الروحية. وبعدما سأل عنه كثيراً واقتفى آثاره اهتدى إليه، فلما وجده في البرج أبلغه أنه موفد من أفلاطون الأسقف وأنه أتى ليرده إليه. وقد لقيه أبراميوس بفرح عظيم ونصحه بترك أمور الدنيا وملازمة خوف الله وطاعته. ويظهر أنه كان لمشورة أبراميوس في نفس ألبنيوس وقع حسن. لاسيما بعدما بان له صلاح وفضل كل من يوحنا الأسخولارس والشيخين اللذين معه، فاستنار عقله وأسلم أمره للقديس سابا فأخذ يعتني بأمره وأوصى من في البرج أن يحولوا المنسك إلى دير للشركة (كينوبيون)، فكان كذلك. مذ ذاك أسلم ألبنيوس نفسه لله بكل قوته حتى نما، في زمان قليل، في عمل الصلاح كبيراً. فجعلوه شماساً، رغم تمنعه، وبعد ذلك قسيساً فثانياً بعد رئيس الدير.

أما أبراميوس القديس فتمت له أربع سنوات في ذلك الدير، وكان أفلاطون الأسقف يرسل في طلبه مرة بعد مرة. وإذ لم يستجب بعث إليه الأسقف برباط منعه بموجبه من الكهنوت. وإذ استمر أبراميوس غير مبال أرسل الأسقف فمنعه من القربان. إذ ذاك أخذه يوحنا الأسخولارس وذهب به إلى القديس سابا فأخبره بأمره. فأخذهما القديس سابا إلى بيت المقدس، إلى إيليا البطريرك طالباً حلّه، إذا أمكن، ليكون له أن يشترك في القدسات. فكان جواب البطريرك أنه ليس لأحد أن يحلّ ما ربطه غيره، لاسيما إذا كان صاحب الربط حياً يرزق. إذ ذاك أشار القديس سابا ويوحنا اسخولارس معاً على أبراميوس أن يذهب إلى أسقفه ليحلّه.

وعاد أبراميوس إلى أقراطيا في تمام السنة الحادية والأربعين من عمره. فلما وقف أمام أسقفه قبله بفرح وحلّه من الرباط الذي وضعه عليه ورده إلى رئاسته. وإن هي سوى أيام قليلة حتى تنيح الأسقف فقام أهل المدينة إلى متروبوليت تلك الديار طالبين منه أن يجعل أبراميوس أسقفاً عليهم. فصنع لهم ما أرادوا.

وقد أظهر الله على يدي هذا الأسقف الروحاني فضائل جمّة. فكان يفتقد الأيتام والغرباء والمحتاجين، كما كان يطرد الشياطين بقوة الله، ويهتم ببناء الكنائس.

وقد أقام أسقفاً خمس عشرة سنة أنار خلالها عقول العامة بتعليمه وتدبيره حتى لزمت الصلاح في أمور شتى. ودائماً ما اعتاد أن يذكر ما كان فيه من السكوت والخلوة والهدوء في دير الأسخولارس فكان يحزن لما فقده حزناً شديداً. وكان من كثرة همومه الدنيوية يطلب من الله قائلاً: "ربي وإلهي، إن كانت مشيئتك أن أخرج إلى البرية فسهل أمري!".

وحدث أنه خرج إلى القسطنطينية، مرة، لقضاء حاجة للكنيسة فبلغه أن القديس سابا هناك فطلبه فلم يجده لأن القديس سابا كان قد ترك المدينة إلى بيت المقدس قبل ذلك بثلاثة أيام. فحزن أبراميوس لذلك حزناً شديداً. ثم أنه، في الليلة عينها، أبصر القديس سابا مقبلاً إليه في الحلم وقائلاً له: "لا تحزن لأنك لم تلقني في القسطنطينية. ولكن، إن كانت رغبة قلبك أن تستريح من هموم الدنيا فأرجع إلى ديرك وستتنيح". فقام من نومه ولم يخبر أحداً بحاله. بل سلم شمامسة ما كان قد استخرجه لكنيسته. ثم ركب سفينة، دون أن يأخذ معه شيئاً من أمور الدنيا، وجاء إلى بيت المقدس. ومن ساعته جاء إلى دير البرج، ففرح به يوحنا اسخولارس وألبنيوس فرحاً عظيماً. وكان الثلاثة كنفس واحدة، في المسكن والطعام والأعمال الفاضلة. وكان كل واحد يحرّض صاحبه على عمل الخير. وكل ما كانوا يفكرون فيه على قلب الله كان، بعيداً عن هموم الدنيا.

عمل رهباني

فلما مرت على أبراميوس سنة بعد عودته إلى البرج، تنيح القديس سابا في الخامس من شهر كانون الأول من العام 522 للميلاد. وكان أبراميوس، في أيام الصوم. يخرج إلى برية روبا برفقة يوحنا اسخولارس وألبنيوس، كما كانوا يتعهدون أهل السكون في البرية ويحرصون على نياحة سياحها. هناك أقام الثلاثة مجتهدين ثماني سنوات، إلى أن تنيح ألبنيوس بعدما فاق جميع الرهبانية وحاز موهبة النبوءة.

أما أبراميوس، هذا الكبير، فكان طبيباً للنفوس والأجساد، وكان كثيرون يأتونه طالبين الشفاء من أمراضهم.

وبعد زمان مرض يوحنا أسخولارس قليلاً وعرف بالروح القدس قرب خروجه من هذا العالم، فأوصى بما أراد، ثم في تمام الأربعين من مرضه انتقل إلى جوار ربه، في كانون الثاني. كان ذلك في تمام السنة الثامنة والستين من حياة أبراميوس.

رقاده

أما أبراميوس فرقد بعد حين مزيناً بالمواهب الروحية. كانت نياحته في اليوم السادس من شهر كانون الأول مجللاً بالإكليل السماوي من المسيح الإله له المجد والسبح والظفر إلى دهر الداهرين، آمين.

ملاحظة: هذه السيرة استقيناها من مخطوط عربي قديم نشره جورج غراف على صفحات مجلة المشرق (سنة 1905، ص259 – 265) وقد وردت في كتابنا القديسون المنسيون في التراث الإنطاكي، يوم 12 كانون الثاني، ص 252 – 256.

طروبارية القديس نيقولاوس العجائبي باللحن الرابع

لقد أظهرتكَ أفعالُ الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيسُ الكهنة نيقولاوس، فلذلكَ أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنةِ الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

قنداق القديس نيقولاوس العجائبي باللحن الثالث

لقد ظهرتَ كاهناً في ميرا أيها القديس، لأنك لما أتممتَ إنجيل المسيح أيها البار، وضعتَ نفسك عن شعبك، وخلصتَ الأبرياءَ من الموت. فلذلك تقدَّست بما أنك مسارٌّ عظيمٌ لنعمة الله.

قنداق لتقدمة الميلاد باللحن الثالث

اليوم العذارء تأتي إلى المغارة، لتلد الكلمة الذي قبل الدهور، ولادة لا تفسر ولا ينطق بها، فافرحي أيتها المسكونة إذا سمعتِ، ومجّدي مع الملائكة والرعاة، الظاهر بمشيئتهِ طفلاً جديداً، وهو إلهنا قبل الدهور.

طروبارية القديس مكسيموس متربوليت كييف وفلاديمير باللحن الرابع

 

لقد أظهرتكَ أفعالُ الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيسُ الكهنة مكسيموس، فلذلكَ أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنةِ الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.