لا تَهتمُّوا البتَّةَ، بل في كلِّ شيءٍ فلتكُنْ طَلِباتِكم معلومَةً لدى الله بالصلاةِ والتضرُّعِ معَ الشكر (في6:4)

 

سيرة القديس

طروبارية

قنداق

القديسان مكاريوس أسقف كورنثوس وسمعان أسقف فارس الشهيد (17 نيسان)

سـنكسار القديس مكاريوس أسقف كورنثوس

(القرن18م)

ولادتُهُ ونشأتُهُ:

وُلد في كورنثوس سنة 1731م. مال إلى الخدم الليتورجية وأعمال التقوى منذُ الفتوَّة. إذ كان والده يُكلِّفه بجمع الإيجارات من الفلاحين كان يوزّعها على الفقراء ويزدري أباطيل هذا الدهر.

أسقفاً:

هرب ليترهّب في دير في الجوار. لم يقبله الرهبان هناك لأنهم خافوا ذويه لأنهم من ذوي الاقتدار. عاد إلى بيته وأنكبّ على دراسة الكتب الروحيَّة. في سن الثامنة والعشرين. أدار مدرسة كورنثوس رأفة بالفتية الغارقين في الجهل. في خلال ست سنوات كسب تقدير وإعجاب المدنية برمَّتها. سنة1764 اختير بإجماع الأصوات خلفاً لأسقف كورنثوس الذي شاخ ومرض  وأضطرّ إلى إهمال شؤون الأبرشية سنين.

عملُهُ كأسقف:

اهتم مكاريوس بتنظيم شؤون الكهنة. جعل القوانين الكنسية موضع اعتبار, وكان صارماً في حفظها. لم يقبل أن يسيم أحداً للكهنوت إلاَّ من كان مُعدَّاً إعداداً كافياً للخدمة, بعد إلزامه بالإقامة في أحد الديورة وإخضاعه للتعليم. كان يعلمهم بنفسه كيف يقيمون الخدم الإلهية والأسرار المقدَّسة. إلى ذلك أهتمَّ بإنشاء المدارس وتعليم الشعب قدر ما كانت ظروف زمانه تسمح بذلك.

أسقف بلا أبرشية:

إثر الحرب الروسية التركية بين العامين 1768و1774م وقمع الأتراك للسكان أضطرَّ مكاريوس وعائلته إلى الهرب باتجاه زاكنثوس فإلى هيدرا.  ثم بضغط من الباب العالي أضطرَّ بطريرك القسطنطينية أن يعيّن أساقفة جدد على أبرشيات البليوبونيز وإلزام مكاريوس بإرسال استقالة رغم أنه لم يتعدّ القوانين المقدَّسة في شيء.

وكأسقف بلا أبرشية تحوّل إلى جبل آثوس ليعيش في الهدوئية والسلام, ولكنَّه وجد الجبل المقدَّس مضطرباً فغادره إلى خيوس فباتموس.

بعد وفاة والده ترك حصّتهُ من الميراث لإخوته وترك للمديونين دينهم, وعاد إلى خيوس ليقيم في الصوم والهدوئية والسهر. وبعد أن أخذ الأسكيم الكبير أقلع عن ممارسة مهامه الكهنوتية. اعتبره الجميع الأب الروحي لخيوس والجزر المجاورة. وكان له تأثيراً واضحاً في حياة الناس اليومية.

جاهد مكاريوس لاستعادة المناولة المتواترة بين المؤمنين. بعد أن كانوا يقتبلون القدسات, مرَّة واحدة أو أثنين في السنة. 

رقادُهُ:

أصيب رجل الله بالفالج. بقيَ ممدداً على سرير الألم ثمانية أشهر. كان يشكو دائماً أنه لم يبدأ بالتوبة. رقد في الرب في نيسان 1805. وقد ظهرت العجائب التي جرت برفاته. قداسته وحقَّانيَّة إكرام أهل خيوس لهُ.

مؤلفاته:

ساهم القديس مكاريوس في نشر الفيلوكاليا. كما أصدر بالتعاون مع القديس نيقوديموس الآثوسي, كتاب الأفرجاتينوس وهو مختارات  من النصوص النسكية والأقوال الأبائية وسير القديسين مرتبة على أساس الموضوعات.

إلى ذلك أصدر مكاريوس كتباً روحية وتعليمية عدَّة منها التعليم المسيحي لأفلاطون، متروبوليت موسكو.

أصدر كتاباً عنوانه المناولة المتواترة.

كما سجَّل أخبار القديسين الشهداء الجدد التي جمعت فيما عُرف بـ (ليموناريون الجديد) الذي أصدره سنة 1819، تلميذه وكاتب سيرته باروس وأكمله القديس نيقوديموس الآثوسي في سنكساره الجديد.

سنكسار القدّيس الشهيد في الكهنة أنيقيطس الحمصي، أسقف رومية

(القرن 2م)

هو الأسقف الحادي عشر على رومية إذا حسبنا القدّيس بطرس أوّلهم. خلف القدّيس بيوس الأول. وُلد، فيما يبدو، في حمص السورية. ذُكر أنه استشهد، من أجل المسيح، بعد وفاة الإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس المكنى بـ "التقي" بشهر واحد. قيل أن جلوسه على سدّة الأسقفية دام إحدى عشر سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام. وقد سام تسعة أساقفة وسبعة عشر كاهناً وأربعة شمامسة. أُحصي، في السنكسار الرومي، في عداد الشهداء رغم أن ظروف استشهاده غير معروفة. ولا يّستبعد بعض الدارسين أن يكون قد اعتّبر شهيداًَ لا لأنه قضى بشهادة الدم بل لأنه كابد آلاماً وضيقات كثيرة من أجل الإيمان بيسوع.

أفسافيوس القيصري في كتابه الخامس (الفصل 24) من كتابه عن تاريخ الكنيسة نقل ما ذكره القدّيس إيريناوس، أسقف ليون، في بلاد الغال بين العامين 178 و200م عن أنيقيطس. مناسبة الكلام كانت أن فيكتور، رئيس كنيسة رومية (189– 198م) حاول أن يقطع بوليكراتس أسقف أفسس وأساقفة آخرين، على أبرشيات في آسيا الصغرى، من وحدة الكنيسة العامة كهراطقة. كما كتب رسائل أعلن فيها حرم جميع الإخوة هناك. السبب كان تمسّك تلك الكنائس بالعادة القديمة المتّبعة فيها في شأن الاحتفال بعيد الفصح في الرابع عشر من شهر نيسان، في أي يوم وقع، نظير الفصح اليهودي، من دون العادة المتّبعة في بقية الكنائس وهي الاحتفال بالعيد في الأحد الذي يلي الرابع عشر من نيسان. الخطوة التي اتّخذها أسقف رومية، فيكتور، يومذاك، لم تلق استحسان بقية الأساقفة. الكثيرون اعترضوا. وقد عكس أفسافيوس اعتراضهم بقوله: لكن هذا لم يرضِ جميع الأساقفة فطلبوا إليه أن يراعي ما هو للسلام وأن يراعي وحدة ومحبّة الجوار. ولا تزال كلماتهم موجودة، وفيها توبيخ عنيف لفيكتور. ومن هؤلاء الأساقفة إيريناوس الذي أرسل رسائل باسم الإخوة في بلاد الغال، الذين كان يترأس عليهم وحقاً... فعل إذ نصح فيكتور بأن لا يقطع كنائس لله برمتها حافظت على تقليد عادة قديمة لأن النزاع ليس محصوراً في اليوم فقط بل بطريقة الصوم أيضاً. فالبعض يظنّون أنه يجب أن يصوموا يوماً واحداً وغيرهم يومين وغيرهم أكثر.... ويضيف إيريناوس في رسالته إلى فيكتور "هذا الاختلاف في حفظ الصوم لم ينشأ في أيامنا بل في أيام آبائنا، قبل ذلك بوقت طويل... ومع ذلك فقد عاش جميع هؤلاء في سلام ونحن أيضا نعيش في سلام مع بعضنا البعض. وعدم الاتفاق في الصوم يؤيّد الاتفاق في الإيمان". عند هذا الحدّ من الكلام يشير إيريناوس إلى أسلاف فيكتور الذين تعاطوا الخلاف بروح السلام فيقول:  "بين هؤلاء كان المشايخ قبل سوتير، رئيس الكنيسة التي تديرها أنت الآن، نعني أنيقيطس وبيوس وهيجينوس وتلسفوروس وزيستوس... هؤلاء مع أنهم لم يحفظوه أرسلوا العشاء الربّاني لمن حفظوه في الأبرشيات الأخرى". ويتابع إيريناوس الكلام فيقول: وعندما كان المغبوط بوليكاربوس في رومية، وقت أنيقيطس، واختلفا قليلاً في بعض أمور أخرى، حلّ السلام بينهما في الحال، دون أن يتشاجرا بصدد هذا الأمر. فإن أنيقيطس عجز عن إقناع بوليكاربوس بالعدول عن اتّباع ما كان يمارسه دوماً مع يوحنا الرسول ربّنا وباقي الرسل الذين اختلط بينهم، كذلك عجز بوليكاربوس عن إقناع أنيقيطس بحفظه، إذ قال إنه يجب أتّباع العادات التي مارسها المشايخ قبله. ورغم أن الحالة كانت على هذا الوجه فقد احتفظا كلاهما بعشرتهما معاً وتنازل أنيقيطس عن خدمة العشاء الربّاني في الكنيسة لبوليكاربوس كعلامة احترام وافترقا في سلام، من حفظ ومن لم يحفظ، محتقظين بسلام كل الكنيسة.

إلى ذلك ورد عن أنيقيطس أنه قاوم العرفانية وسواها من الهرطقات كالمرقيونية. يُذكر أن العرفانية هي الموقف الفلسفي الذي يقول بأن معرفة المرء لحقائق الوجود هي المستمدّة من طاقات المرء الذاتية وقدراته، فيما المرقيونية هي القول برفض إله العهد القديم باعتباره إله الشريعة وهو غير إله المحبّة المتكلّم في العهد الجديد. كذلك تقصر المرقيونية الكتب القانونية، كتب العهد الجديد، على عشر من رسائل القديس بولس، بالإضافة إلى صيغة خاصة لإنجيل لوقا. وتجعل إنسانية الرب يسوع وآلامه ظاهرية.

ومن الذين شهدوا لأنيقيطس، إضافة إلى أفسافيوس القدّيس إيريناوس والقدّيس إيرونيموس.

تاريخ وفاة أنيقيطس غير محدّد بدقّة. أقرب التواريخ هو العام 161م. وقد دُفن في مدفن القدّيس كليستوس. يصوّرونه، في العادة، وبالقرب منه عجلة يُظنّ أن القصد منها الإشارة إلى أداة التعذيب الذي ربما تعرّض له.

سنكسار أبينا الجليل في القدّيسين سمعان الفارسي ورفقته

(+431م)

ورد ذكره في تيبيكون الكنيسة العظمى اليوم وهو من القدّيسين السريان البارزين. كتب سيرته المستفيضة القديس ماروثا المعيَّد له عندنا في 16 شباط، وهو الذي جمع رفات القدّيسين المستشهدين في زمن الملك الفارسي شابور الثاني (341–379). في مقرّ أسقفيته، ميافرقين، فدُعيت، مذ ذاك، مدينة الشهداء أو مرتيروبوليس.

يُعرف القدّيس سمعان، عند السريان، بتسمية مار شمعون برصبّاعي، أي ابن الصبَّاغين، لأن آباءه، على حدّ تعبير كاتب السيرة، كان من حرفتهم أن يصبغوا بدم ليس من دمهم ثياباً حريرية كسوة لمملكة عدوّة الحقّ، فيما صبغ قدّيسنا المعظّم بدمه عينه ثوب نفسه الذي تزيّن به في ملكوت السماء. كان جاثليقا، أي رئيس أساقفة، على سليق وقطسفون. والذين قضوا معه كانوا مائة وثلاثة، بينهم مار كدياب ومار سابينا، أسقفي بلافاط، ومار يوحنا، أسقف هرمز أرداشير ومار بوليداع، أسقف فرات ميشان، ومار يوحنا، أسقف كرخ ميشان، وسبعة وتسعين كاهناً وشمّاساً، وماركوشتازد رئيس الخصيان.

مفاد استشهاد القدّيس سمعان ورفاقه أنه بعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الكبير الذي نَعِم المسيحيون في فارس في زمانه بالهدوء، قام شابور الثاني على النصارى واضطهد كهنتهم ورهبانهم وهدم الكنائس والأديرة. ولم يدفع الرب الإله عن شعبه، يوم ذاك، البلوى سريعاً لسبب مبارك حدّده كاتب السيرة بعدم تمكين الشيطان وخدّامه من القول "إنما الأمن جعل شعب الله أن يتكاثر والرفاهية صيّرت كنيسة المسيح أن تنمو والسلاطين ساعدوها ورفعوا شأنها... وليس من يضطهد ولا من يُضيّق ولا من يطغى... الله، سبحانه، أذن للأشرار أن يقاوموا الساجدين له ويضطهدوهم ليُظهر للعالم عنايته الإلهيّة الممتلئة نعمة وحكمة وقوّته غير المغلوبة بوساطة ضعف ونحافة أجساد خدّامه... وهكذا ما يصيب المؤمنين من الاضطهاد يظهر الحق المبين وتُعلَن معرفة الله. بموتهم تبين حياته وبصبرهم تُشهر قوته....

فقد أنفذ شابور أمراً بإلزام شمعون، رئيس أساقفة النصارى، أن يوقِّع صكّاَ يأخذ فيه على نفسه أن يجمع ويستلم الجزية من جميع النصارى مضاعفة. جواب القدّيس اتّسم بتواضع عظيم وشجاعة كبيرة: "إني أسجد لملك الملوك وأوقّر أمره إلا أن ما يطالبني به ليس من شأني. فإن السلطان المعطى لنا على النصارى ليس في ما يُرى بل في ما لا يُرى، أي في التعليم والوعظ بكلام اله والصلوات الطاهرة والضراعة الحارّة". ثم أردف: أي سبب يحدوكم إلى أن تثقّلوا علينا الجزية؟ ألعلّنا أغنياء؟ يعلم الجميع أننا فقراء لا يفضل المال عنا. ألعلنا أعداء الدولة؟ لا بدّ أن يكون بينكم مَن يعلم أننا نحبّ جميع الناس، خصوصاً ملك الملوك.

وبعدما أكدّ عمّال شابور ضرورة التزام شمعون بما يأمر به شابور، رغم ما تفوّه به رجل الله، لم يجد شمعون سوى أن يقرّ بأن أمر ملك الملوك يفوق طاقة المسيحيّين فنحن لا نقدر، على حدّ تعبيره، "أن نأخذ على أنفسنا إعطاء الجزية مضاعفة لأننا فقراء لا نملك شيئاً. إلا أن مساكننا وأملاكنا قدّامكم فخذوها. فقط لا تجعلونا حكّاماً قساة طغاة على إخوتنا الذين هم خاصة الله... ليس من شأن ملك السماء أن يأمرنا نحن المتّضعين أن نكون قساة ظالمين... أما إذا أراد الملك إبعادي عن محبّة إلهي فأشار عليّ بأن أوافقه دون إرادة سيّدي فبغضُه أعزّ عليّ من محبّته ومقاومته أحبّ إليّ من طاعته والموت أود لي من الحياة الفانية".

فلما بلغ جواب القدّيس شابور الملك غضب غضباً شديداً واتّهمه بالخيانة، أنه يشاء أن يجعل تلاميذه وملّته خدّاماً لقيصر عدوّه. وقد سعى المجوس إلى إغارة صدر الملك على شمعون بالأكثر فبعث إليه برسالة قال له فيها: "..... بكبريائك وصلفك تحمل ملّتك على خلع طاعتي. وأنا أيضاً سأبذل جهدي لأمحوكم من وجه الأرض". لم يرتعد رجل الله بل أجاب: ... إني لقابل الموت من أجل الشعب... عدم معاينتي نور هذا العالم خير لي من مشاهدة شعب ربّي في الضيقات والزايا...".

بعد ذلك أخذ المجوس يهدمون الكنائس ويلاحقون المسيحيّين. وقد جمع شمعون الرهبان والكهنة والشمامسة وقال لهم: "تقوّوا، لا ترتخوا... فإنكم لهذا دُعيتم... أن تكونوا تلاميذ المسيح. فانظروا ما كابده من الإهانات من أجلكم... مَن ذا يقدر أن يفي المعلّم حقّه علينا في موته من أجلنا... فلنمت نحن أيضاً من أجله... ليس الله بضعيف ولا مسيحه بقاصر بل يريد إظهار قوّته في الضعفاء والدلالة على حياته في موتهم. وإذا ما رفعنا إليه عقولنا نظر إلينا وشجّعنا ونصرنا في الجهاد... لا تحزنوا لاستئصال بيعتنا على الأرض فإن لنا بنياناً في السماء غير مصنوع بأيدي البشر... لا أدري ماذا سيحدث عقب ذلك... ولكن كونوا حذرين متدرّعين دروع الإيمان... احفظوا أوامر الرب يحفظكم. أحبّوا الذي أحبّنا وقرّب نفسه ضحيّة عنا حتى يحيينا بموته... هذا ما أوصيكم به لأني عالم أنكم لن تروا وجهي بعد اليوم فإني مزمع أن أُذْبح من أجل الشعب المسيحي والإيمان الحقيقي..." ثم صلّى ورفع يديه وباركهم.

إثر ذلك سافر القدّيس وبعض الكهنة إلى الأهواز حيث سلّموا أنفسهم فكُبلوا واستيقوا إلى ليدان وهي مدينة بناها شابور حديثاً. فلما بلغ قصر الملك جاءه رجل مسنّ، رئيس للخصيان، كان مسيحياً فارتدّ. اسمه كان كوشتازد. هذا أراد أن يقابل رئيس الأساقفة فصدّه، فبعث إليه يقول له: "اغفر لي خطيئتي فلن أرجع إليها البتّة". فكان جواب رجل الله: "إن ما ارتكبته ليس بخطأ حتى أغفره لك ولا بنقيصة حتى أتجاوز عنها بل هو جرم جسيم وكفر عظيم... وقد كفرت بإلهك، فمن يغفر لك؟!... لعمري إن قصاصك لعظيم... ولا سبيل لك للخروج من هذه الوهدة إلا بالدخول من الباب الذي خرجت منه... درتّك لا تُرَدّ إلا بسفك دمك من أجلها..."

ذهب كوشتازد إلى داره وتدثّر بالمسح والرماد راثياً نفسه ومضنياً جسمه بالسهر المتوالي والبكاء الدائم والصوم الطويل.

أما شمعون فمثل أمام شابور. وإذ احتجّ على مضاعفة الجزية لأن شعبه فقير، علم أن ما حمل الملك على التضييق عليه هو أنه وشعبه من غير مذهب ملك الملوك. فأبدى القدّيس أنهم مستعدّون لأن يبذلوا كل ما لهم ونفوسهم من أجل إيمانهم. أما بشأن الجزية فأكدّ أنه ليس مستعدّاً أن يضايق شعبه ولو أمر الملك بسلخ جلده. لا اغتصبنّ الفقير رداءه ولا أضايقنّ مَن حرّره إلهي بدمه الكريم!

بعد ذلك ورد في السيرة حوار لاهوتي بين الملك والقدّيس. أراد الملك أن يحمل شمعون على عبادة الشمس والنار فامتنع لأن الشمس والقمر، كما قال، سوف يزول سيرهما ودورانهما والنار تموت كل يوم إذ تُطفأ وتزول. فسأله شابور عن يسوع فأجابه أن يسوع إله وإنسان معاً، وأنه صار إنساناً لأن الله أراد أن يردّ الناس عن الضلالة. وحيث أنهم لم يروا الله فإنه أخذ الطبيعة البشرية وعلّم الناس الفضائل ومارسها هو نفسه وأبرأهم من أوجاعهم وردّهم عن عبادة الأوثان. وقد قبض عليه اليهود وصلبوه. وهو أسلم ذاته للموت طوعاً لكي يحيا أيضاً فيأتي بدليل قاطع على قيامة جميع الناس. فقام وصعد إلى السماء، وهو عتيد أن يأتي ليقيم الموتى.

وسعى الملك والمجوس إلى حمل القدّيس على الإذعان لملك الملوك واقتبال آلهته فلم يُجْدِهم الإقناع ولا التهديد فأمر الملك بإلقائه في السجن.

وفيما خرج به الجند التقاه كوشتازد، رئيس الخصيان، الذي دنا منه وسجد له فزجره القدّيس قائلاً: "لا يليق أن أسالم مَن كفر بملكه الحقيقي خوفاً من شابور الملك".

أُصيب كوشتازد بصدمة لا فقط لأن شمعون صدّه وزجره بل بالأحرى لأنه أيقن أن المِسْحَ والرماد والسهر والبكاء والصوم، كلّها لا تنفع طالما لم يعترف بيسوع أمام شابور بعدما أنكره. فعاد إلى بيته وغيرّ حلّته ولبس الأسود وجاء إلى الملك واعترف أنه قاتل. فسأله الملك: ومّن قتلت؟ فأجاب: قتلت نفسي بسجودي للشمس كذباً. وعلى هذا النحو خدعتك أنت وإلهي وخنتك لأني سجدت للشمس ظاهراً. فأمر الملك بقطع رأسه وأوفد منادٍ ينادي أن كوشتازد لم يُعرَض للسيف إلا لنصرانيته. قصد الملك كان أن يوهن عزيمة المسيحيّين، لكن فعله جعل المتراخين بينهم يتشدّدون. كيف لا وقد عاد أحدهم إلى الاعتراف بالمسيح بعدما كان قد ارتدّ عنه؟!

لما بلغ شمعون خبر كوشتازد فرح وارتاح قلبه إلى مصير شعبه. قال: "كنت أريد أن أسبقه فسبقني ونقض أسوار الموت المهولة المنيعة ففرّحني واهتدى إلى سبيل الخلاص فأفعمني سروراً.... فَعَلامَ أبقى بعد في هذه الحياة فإنه هوذا يستدعيني... طوبى للساعة التي فيها يأتون ويأخذونني إلى القتل". ثم خرّ ساجداً وأخذ يصرخ: "هب لي اللهمّ إكليل الاستشهاد لأنك تعلم أني طلبته من كل قلبي... أهّلني يا رب لأن أكون إماماً لجميع المؤمنين الذين في الشرق بسفك دمي أمامهم. فأجاب الأساقفة والكهنة والشمامسة المسجونون معه: "آمين". وبعدما شدّدهم وقال لهم أنهم غداً، في اليوم الذي فيه تألّم الرب ومات عنّا، يُقتلون، أقاموا القدّاس الإلهي على أيديهم. وقد قضوا الليل كلّه في تلاوة المزامير والتسابيح.

ثم في الجمعة العظيمة جرى قطع رؤوسهم جميعاً.

سنكسار القديس البار زوسيما سولوفنسك الروسي

(+1478 م)

أحد أقمار روسيا الشمالية مؤسس الحياة الرهبانية المشتركة في سولوفنسك. نشأ على التقوى منذ نعومة أظفاره. بعد وفاة والديه جبرائيل وبربارة وزع مقتنياته واقتبل الرهبانية. إثر سفرة بحرية حط هو وجرمانوس الناسك في جزر سولوفنسك. هناك عاين زوسيما رؤيا إلهية. إثر ذلك بنى الراهبان قلالي وشرعا يفلحان ويزرعان. خرج جرمانوس مرة إحضار حاجيات أساسية. بقي على الشاطئ بسبب الطقس الخريفي الرديء. أقام زوسيما وحيداً طيلة ذلك الشتاء. عانى تجارب جمة وحارب الشياطين. تهدده الجوع. لكن غريبين ظهرا من لا مكان وتركا له زاداً من الخبز والطحين والزيت. عاد جرمانوس وأحد الصيادين في الربيع بمؤن وحاجيات أخرى.

لما ازداد عدد النساك في الجزيرة بنى لهم زوسيما كنيسة خشبية صغيرة على اسم التجلي الإلهي، كما بنى لهم قاعة طعام مشتركة. بعد ذلك وبناء لطلب الراهب زوسيما أرسل رئيس دير من نوفغورود إلى الدير الحديث مع الأنديمنسي للكنيسة. هذه كانت بداية دير سولوفنسك. أخيراً اختار الرهبان زوسيما رئيساً عليهم.

اهتم زوسيما بالبناء الداخلي للحياة في الدير. وقد أدخل نظام حياة مشتركة صارماً. رقد مكملاً بالفضائل في 17 نيسان 1478م. وقد جرت به عجائب جمة وهو شفيع النحالين. المرضى، أيضاً، كثيراً ما يلجأون إليه. هناك مستشفيات عديدة جعلت باسمه دليلاً على القوة الشافية لصلاته أمام ربه.

سنكسار تذكار أبينا الجليل في القدّيسين أغابيتوس، أسقف رومية

(536م)

لم تطل ولايته أكثر من سنة. كان رئيس شمامسة حين اختير خلفاً للبابا يوحنا الثاني. أسّس في رومية مدرسة نافست مدرستي الإسكندرية ونصيبين، في ذلك الحين. كان صانع عجائب. زار القسطنطينية بناء لدعوة الإمبراطور يوستنيانوس. بتأثيره تثبتت الأرثوذكسية بانتخاب القدّيس ميناس بطريركاً على المدينة المتملكة. رقد في طريق عودته إلى رومية. من مآثره المشهود له بها توطيده وحدة الكنيسة بالمرونة واللين وصونه القوانين الكنسية. كان رجل قداسة ممتازاً.

طروبارية القديس مكاريوس باللحن الرابع

لقد أظهرتْك أفعال الحق لرعيتك، قانوناً للإيمان، وصورةً للوادعة، ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيس الكهنة مكاريوس، لذلك أحرزتَ بالتواضع الرّفعة، وبالمسكنة الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.

طروبارية القديس زوسيما سولوفنسك الروسي باللحن الثامن

لِلبَرِيَّةِ غَيْرِ الـمُثْمِرَةِ بِمَجارِي دُمُوعِكَ أَمْرَعْتَ. وبِالتَّنَهُّداتِ التي مِنَ الأَعْماق أَثْمَرْتَ بِأَتْعابِكَ إِلى مِئَةِ ضِعْفٍ. فَصِرْتَ كَوكَباً لِلمَسْكونَةِ مُتَلأْلِئاً بِالعَجائِب. يا أَبانا البارَّ زوسيما فَتَشَفَّعْ إِلى المَسِيحِ الإِلَهِ أَنْ يُخَلِّصَ نُفُوسَنا.

طروبارية أبينا الجليل في القدّيسين سمعان الفارسي ورفقته باللحن الرابع

صِرْتَ مُشابهاً لِلرُّسُلِ في أَحوالِهِم، وخَليفَةً لَهُم في كَراسيهِم، فَوَجَدْتَ بِالعَمَلِ المِرْقاةَ إلى الثَّاوُرِيَّا، أَيُّها اللاهِجُ بِالله. لأَجْلِ ذَلِكَ تَتَبَّعْتَ كَلِمَةِ الحَقِّ بِاستِقامَةٍ وجاهَدْتَ عَنِ الإِيمانِ حَتَّى الدَّم. أَيُّها الشَّهِيدُ في الكَهَنَة سمعان, فَتَشَفَّعْ إِلى المَسيحِ الإِلَهِ أَنْ يُخَلِّصَ نُفُوسَنا.

طروبارية القدّيس أنيقيطس الحمصي، أسقف رومية باللحن الرابع

صِرْتَ مُشابهاً لِلرُّسُلِ في أَحوالِهِم، وخَليفَةً لَهُم في كَراسيهِم، فَوَجَدْتَ بِالعَمَلِ المِرْقاةَ إلى الثَّاوُرِيَّا، أَيُّها اللاهِجُ بِالله. لأَجْلِ ذَلِكَ تَتَبَّعْتَ كَلِمَةِ الحَقِّ بِاستِقامَةٍ وجاهَدْتَ عَنِ الإِيمانِ حَتَّى الدَّم. أَيُّها الشَّهِيدُ في الكَهَنَة أنيقيطس, فَتَشَفَّعْ إِلى المَسيحِ الإِلَهِ أَنْ يُخَلِّصَ نُفُوسَنا.

طروبارية أبينا الجليل في القدّيسين أغابيتوس، أسقف رومية باللحن الرابع

لَقَدْ أَظْهَرَتْكَ أَفْعالُ الحَقِّ لِرَعِيَّتِك قانوناً لِلإيمان، وصُورَةً لِلوَداعة ومُعَلِّماً لِلإِمْساك، أَيُّها الأَبُ رَئِيْسُ الكَهَنَةِ أغابيتوس، فَلِذَلِكَ أَحْرَزْتَ بِالتَّواضُعِ الرِّفْعَة وبِالـمَسْكَنَةِ الغِنى، فَتَشَفَّعْ إِلى الـمَسيحِ الإلَه أَنْ يُخَلِّصَ نُفُوسَنا.